ننتهي إلى معان يكون الربط ذاتيا لها ، وليس شيء من المعاني الاسميّة يكون الربط ذاتيا له ؛ لأنّ ما كان الربط ذاتيا ومقوما له - وبعبارة أخرى عين حقيقته - يستحيل تصوّره مجرّدا عن طرفيه ؛ لأنّه مساوق لتجرّده عن الربط ، وهو خلف ذاتيّته له .
وكلّ مفهوم اسميّ قابل لأن يتصوّر بنفسه مجرّدا عن أي ضميمة ، وهذا يثبت أنّ المفاهيم الاسمية غير تلك المعاني التي يكون الربط ذاتيا لها ، وهذه المعاني هي مداليل الحروف ، إذ لا يوجد ما يدلّ على تلك المعاني بعد استثناء الأسماء إلّا الحروف .
وحتّى نفس مفهوم النسبة ومفهوم الربط المدلول عليهما بكلمتي ( النسبة ) و ( الربط ) ليسا من المعاني الحرفية ، بل من المعاني الاسمية ؛ لإمكان تصوّرهما بدون أطراف ، وهذا يعني أنّهما ليسا نسبة وربطا بالحمل الشائع وإن كانا كذلك بالحمل الأوّلي . وقد مرّ عليك في المنطق أنّ الشيء يصدق على نفسه بالحمل الأوّلي ، ولكن قد لا يصدق على نفسه بالحمل الشائع ، كالجزئي فإنّه جزئيّ بالحمل الأوّلي ، ولكنّه كلّيّ بالحمل الشائع .
وهذا البيان كما يبطل الاتّجاه الأوّل يبرهن على صحة الاتّجاه الثاني إجمالا ، وتوضيح الكلام في تفصيلات الاتّجاه الثاني يقع في عدة مراحل :
المرحلة الأولى : أنّا حين نواجه نارا في الموقد - مثلا - ننتزع في الذهن عدّة مفاهيم « 1 » :
شرح
( 1 ) وفي هذه المرحلة نريد أن نثبت أن معنى الحرف يختلف ذاتا عن معنى الاسم الموازي له ، وبيان هذا يتوقف على مقدمتين :
المقدمة الأولى : من المعروف في الفلسفة أن الماهية الموجودة في الذهن تتحد مع الموجود في الخارج ، فمثلا : معنى الإنسان هو الحيوان الناطق ، وماهية الإنسان الموجودة في الذهن تتحد مع الإنسان الموجود في الخارج ، الذي قد يتمثل في زيد وبكر وخالد وعمر وعلي . . . ، وهذا ما يعبر عنه ب ( الاتحاد الماهوي ) ، وتوضيحه : أن ماهية الإنسان - وهي الحيوان الناطق - الموجودة في الذهن يحللها العقل إلى حيثيتين :