والاتّجاه الثاني : ما ذهب إليه مشهور المحقّقين بعد صاحب الكفاية ، من أنّ المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ متباينان ذاتا ، وليس الفرق بينهما باختلاف كيفية اللحاظ فقط ، بل إنّ الاختلاف في كيفية اللحاظ ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين ، على ما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى « 1 » .
شرح
برغم أنها موضوعة لمعنى ( البداية ) ، لأن العلقة الوضعية بين ( من ) وبداية السير مشروطة بأن يلحظ المعنى بلحاظ آلي ، فإذا استعملت كلمة ( الابتداء ) فإن معنى البداية يكون ملحوظا بلحاظ استقلالي ، وهذا يعني عدم وجود علقة وضعية بين كلمة ( الابتداء ) ومعنى ( البداية ) الملحوظ بلحاظ آلي ، ولهذا فلا يجوز استعمالها بدل ( من ) على نحو الحقيقة .
وهكذا في طرف الاسم ، فلا يمكن إبدال لفظ ( الابتداء ) بلفظ ( من ) ، في مثل :
ابتداء السير كان سريعا ، حيث لا يجوز أن يقال : من السير كان سريعا ، لأن العلقة الوضعية بين ( من ) و ( البداية ) الملحوظة بلحاظ استقلالي غير موجودة ، فالعلقة الوضعية بينهما تكون موجودة إذا لوحظ المعنى بنحو آلي ، ولهذا فلا يستعمل الحرف استعمالا حقيقيا بدل الاسم . أما لما ذا لا يمكن استعمال الحرف بدل الاسم ، أو الاسم بدل الحرف استعمالا مجازيا ؟
فأجيب عن هذا السؤال : بأنه من المعروف في علوم البلاغة اشتراط وجود علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي في الاستعمالات المجازية للألفاظ ، وهذه العلاقة تكون متفرعة على المغايرة بين المعنيين ، والذهن عند وجود قرينة صارفة ينتقل إلى المعنى المجازي بسبب هذه العلاقة ، لأن دلالة اللفظ على المعنى المجازي كالدلالة الالتزامية ، وأما عند استعمال الحرف بدل الاسم الموازي له أو بالعكس ، فالمغايرة غير موجودة بين معنى البداية الموضوع له الحرف ومعناها الموضوع له الاسم ، فالمعنى في كل منهما واحد ، والمغايرة بينهما فقط في تقييد العلاقة الوضعية لكل واحد منهما بنحو من اللحاظ يغاير اللحاظ الآخر ، إلّا أنها ليست مغايرة في المعنى ، ولهذا فلا يمكن استعمال الحرف أو الاسم أحدهما بدل الآخر على نحو المجاز
( 1 ) السيد الشهيد ( رحمه الله ) وبعد بيان الاتجاه الأول ، يذكر الاتجاه الآخر