تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج الوصول إلى دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
أمّا الاتجاه الأوّل فيرد عليه : أنّ البرهان قائم على التغاير السنخيّ والذاتيّ بين معاني الحروف ومعاني الأسماء ، وملخّصه : أنّه لا إشكال في أنّ الصورة الذهنية التي تدلّ عليها جملة ( سار زيد من البصرة إلى الكوفة ) مترابطة ، بمعنى أنّها تشتمل على معان مرتبطة بعضها ببعض ، فلا بدّ من افتراض معان رابطة فيها لإيجاد الرابط بين ( السير ) و ( زيد ) و ( البصرة ) و ( الكوفة ) « 1 » .
شرح
الذي يذهب إلى أن التغاير بين معاني الأسماء ومعاني الحروف ليس بأمر عرضي هو ( نحو اللحاظ ) كما يفترض الاتجاه الأول ، بل هما متغايران بأمر ذاتي هو خصيصة الربط بين الطرفين التي هي ذات المعاني الحرفية ، وهذا ما يميزها عن المعاني الاسمية التي لها ذات بقطع النظر عن وجود الطرفين ( 1 ) ويتمثل ردّ المصنف ( رحمه الله ) على ما ذهب إليه الآخوند ( رحمه الله ) بأنه عندما نتصور مفاد جملة : سار زيد من البصرة إلى الكوفة ، فهنا توجد عدة معان مرتبطة ببعضها : فالسير مرتبط بزيد ، كما إن السير مرتبط بالبصرة ، وكذلك هو مرتبط بالكوفة ، وهذا الارتباط بين هذه المعاني يكون ناشئا من وجود رابط معين ، وهذا الرابط ليس شيئا ثبت له الربط ، بل لا بد أن يكون وجوده هو عين الربط ، لأنه قد تقرر في الفلسفة : ( أن كل ما بالعرض لا بد أن ينتهي إلى ما بالذات ) ، فإذا كانت المدهنية - مثلا - وصفا للخشب ، فمدهنية الخشب وصف عرضي للخشب ، ولا بد لهذا الوصف أن ينتهي إلى أمر يكون الوصف ذاتيا له وهو الدهن ، فالخشب أصبح مدهنا بسبب الدهن . وأيضا رطوبة الثوب ، حيث إن الرطوبة وصف عرضي للثوب ، ولا بد أن ترجع إلى شيء تكون الرطوبة ذاتية له وهو الماء ، فالرطوبة وصف ذاتي للماء ، فمدهنية الخشب ورطوبة الثوب أمور عرضية انتهت إلى أمور ذاتية ، وهكذا ، فالربط بين السير وزيد والسير والبصرة والسير والكوفة ، لا يمكن أن يكون شيئا ثبت له الربط ، بل لا بد أن ينتهي إلى شيء يكون هو نفس الربط ، وإذا كانت حقيقة هذا المعنى هي الربط ، فلا يمكن أن يتصور هذا الربط بين المعاني في الذهن مستقلا عن الطرفين ، كما أنه لا يمكن أن يحصل في الخارج متميزا عن الطرفين ، بل إنه متقوم بهما ، فالمعاني ترتبط بعضها في الذهن عن طريق هذا المعنى الربطي المدلول للحرف . أما المعاني الاسمية في حد ذاتها شيء فيمكن للذهن أن يتصور كل معنى من