تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج الوصول إلى دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
والصحيح : أنّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقيّ في التنجيز وإخراج مؤدّاها عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان - على تقدير القول بها - إنما هو بإبراز اهتمام المولى بالتكليف المشكوك على نحو لا يرضى بتفويته على تقدير ثبوته ، كما تقدم . وعليه فالمهمّ في جعل الخطاب الظاهريّ أن يكون مبرزا لهذا الاهتمام من المولى ؛ لأنّ هذا هو جوهر المسألة ، وأمّا لسان هذا الإبراز وصياغته وكون ذلك بصيغة ( تنزيل الظنّ منزلة العلم ) ، أو ( جعل الحكم المماثل للمؤدّى ) ، أو ( جعل الطريقية ) فلا دخل لذلك في الملاك الحقيقي ، وإنّما هو مسألة تعبير فحسب ، وكلّ التعبيرات
شرح
علما على طريقة المجاز العقلي للسكاكي ، وتوضيح ذلك : أن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي إذا كانت هي الشبه فيسمى المجاز ب ( الاستعارة ) ، وأما إذا كانت العلاقة غير الشبه فيسمى ب ( المجاز المرسل ) . وحصل خلاف بين مشهور البلاغيين والسكاكي في ( الاستعارة ) ، حيث يرى المشهور : أن المجاز فيها لغوي ، بمعنى أن المستعمل يتصرف في اللفظ وينتزعه من معناه ، ويستعمله في معنى آخر غير ما وضع له ، فلفظ الأسد - مثلا - وضع للحيوان المفترس ، فينتزع هذا اللفظ ويستعمل في معنى لم يوضع له وهو : الرجل الشجاع ، فيقال له : أسد . أما السكاكي فيرى : أن اللفظ لا يستعمل في غير معناه ، فهو دائما يستعمل في المعنى الحقيقي ، منتهى الأمر أن التصرف يكون في أمر عقلي وهو المعنى أو مفهوم اللفظ ، فيعتبر * الرجل الشجاع أسدا ، حيث يعطى الرجل الشجاع حد الأسد وهو الحيوان المفترس ، مع أن الرجل الشجاع ليس من مصاديق الحيوان المفترس في الواقع . والشيخ النائيني ( رحمه الله ) يرى أن جعل المولى الحجية للأمارة هو اعتبارها علما فيترتب عليها أثر العلم المتمثل في التنجيز والتعذير ، فيتصرف الشارع في موضوع حكم العقل بالتنجيز والتعذير الذي هو القطع الطريقي المحض ويعطيه للأمارة ، فالتصرف هنا تم في موضوع حكم العقل لا في نفس حكم العقل الذي ليس للمولى التصرف فيه .
هامش
( * ) الاعتبار هو : إعطاء حد شيء لشيء آخر .