تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج الوصول إلى دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وأمّا الاستشكال الثاني فينشأ من أنّ الذي ينساق إليه النظر ابتداء أنّ إقامة الأمارة مقام القطع الطريقيّ في المنجّزية والمعذّرية تحصل بعملية تنزيل لها منزلته ، من قبيل تنزيل الطواف منزلة الصلاة « 1 » . ومن هنا يعترض عليه : بأنّ التنزيل من الشارع إنّما يصحّ فيما إذا كان للمنزّل عليه أثر شرعيّ بيد المولى توسيعه وجعله على المنزّل ، كما في مثال الطواف والصلاة ، وفي المقام القطع الطريقيّ ليس له أثر شرعيّ بل عقلي - وهو حكم العقل بالمنجّزية والمعذّرية - فكيف يمكن التنزيل « 2 » ؟ .
شرح
وقد تقدم أن الأحكام الظاهرية مجعولة للمحافظة على أهم الملاكات الواقعية المشتبهة لدى المكلف ، فدليل حجية الأمارة يدل بالمطابقة على حجية الأمارة شرعا ، ويدل بالالتزام على اهتمام المولى بملاكات الأحكام التي تدل عليها الأمارة . ومع العلم بهذا الاهتمام من المولى عن طريق دليل الحجية لا يتحقق الموضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، رغم عدم تحقق البيان ، نتيجة تحقق العلم باهتمام المولى بالأحكام الواقعية التي قامت عليها الأمارة من خلال المدلول الالتزامي لدليل الحجية ، وتقدم أن موضوع قاعدة قبح العقاب مركب من عدم العلم باهتمام المولى بالتكليف مضافا إلى عدم البيان على التكليف ، ولذلك فدليل الحجية للأمارة ينفي موضوع قاعدة قبح العقاب من باب الورود ، لأن عدم العلم باهتمام المولى بالتكليف تحول إلى العلم بهذا الاهتمام ، فينتفي موضوع القاعدة حقيقة ، فينتفي الحكم بقبح العقاب ، وهذا ليس من باب التخصيص في حكم العقل ، بأن يكون الموضوع ثابتا والحكم منتفيا ، حتى يستلزم المحال ، إنما هو من انتفاء الحكم تبعا لانتفاء الموضوع حقيقة لا تعبدا ومن باب الحكومة ، كما يرى المحقق النائيني ( رحمه الله ) ( 1 ) وأجاب بعض الأصوليين عن الإشكال الثاني : بأنه يمكن صياغة دليل الحجية بتنزيل الشارع للأمارة بمنزلة القطع الطريقي المحض ، ليترتب عليها أثره العقلي في التنجيز والتعذير ( 2 ) واعترض على الجواب المتقدم : بأن التنزيل لا بد أن يكون باعتبار وجود أثر بحيث تكون توسعة هذا الأثر أو تضييقه ، رفعه أو وضعه بيد المنزل ، فمثلا : لو قال