شرح
أما الحق الجعلي فهو الذي يجعل ويعتبر من قبل المعتبر لمصلحة صاحب الحق ، مثل حق الاستمتاع للزوج ، فهذا الحق يعتبر من قبل الشارع أو العرف العام لمصلحة الزوج ، وأيضا حق النفقة فهو يعتبر ويجعل من قبل الشارع أو العرف العام لمصلحة الزوجة ، وكذلك حق الملك فإنه حق مجعول لمصلحة المالك ، وحسب هذا الحق فإنه يجوز للمالك التصرف في ملكه . ومورد هذه الحقوق هو الواقع ، فالملك واقعا هو موضوع حق الملك ، ولذلك فلو اعتقد شخص أن هذا الشيء ليس ملكا لأحد فأتلفه ، وكان في الواقع مملوكا لزيد - مثلا - فموضوع حق الملك في هذه الحالة متحقق ، وباتلافه للشيء المملوك يكون قد ضيع حقا ثابتا للغير ، فيثبت الضمان .
وعلى هذا تكون الأحكام ( الوضيعة والتكليفية ) المترتبة على الحقوق الجعلية منصبة على الواقع ولا تتعلق بعلم المكلف وإحرازه للواقع ، فسواء كان المكلف عالما أو جاهلا وضيّع حقا من حقوق الغير فهو له ضامن .
أما الحق الذاتي ، فهو الذي يكون من مقتضيات ذات صاحب الحق ، مثل حق الطاعة الثابت للمولى ( جل شأنه ) ، ذلك أنه تعالى مالك لعباده وجميع مخلوقاته - التي منها الإنسان - بمالكية حقيقية ، وهذه المالكية تعني الإحاطة القيومية ، فالله ( تبارك وتعالى ) محيط بإحاطة مقومة لذات العبد وجميع أفعاله وقواه ، ومن لوازم وشؤون هذه المالكية القيومية لمملوكية المكلف للمالك الحقيقي وهذه المملوكية تستلزم أن لا يجوز للمكلف التصرف إلا برضا المالك ، فيكون للمولى حق الطاعة على المكلف ، فما دام المكلف مملوكا لله تعالى فلا بد أن يكون مطيعا له ، فحق الطاعة من مقتضيات ذات صاحب الحق ، وهو الباري سبحانه * .
وإذا كان حق الطاعة ذاتيا للمولى ، فلا يتحدد مورده بطاعة التكليف الثابت فقط ، حتى يكون موضوع هذا الحق هو خصوص التكاليف الواقعية - كما في الاحتمال الأول - بل يكون مغايرا للحقوق الجعلية في عدم تعلقه بعلم المكلف ، لأنه حق
هامش
( * ) ذاتية من باب البرهان وليست ذاتية من الإيساغوجي ، لأن كونها ذاتية من باب الإيساغوجي يستلزم أن يكون لله ( عز اسمه ) ماهية ، والفلاسفة أثبتوا في محله أنه ليس لله تعالى ماهية .