ولكن التحقيق أنّه لا دليل لنا لانحصار محلّ النزاع بما كان المنهي عنه عبادة أو معاملة ، حتّى نحتاج إلى معنى العبادة وبيان المراد عنها ، بل يكون محلّ النزاع عبارة عن كلّ ما كان قابلا للاتّصاف بالصحّة والفساد ، ووقع متعلّق النهي ، سواء انطبق عليه عنوان العبادة أو المعاملة ، أو غيرهما .
والإشكال على الإمام قدّس سرّه أنّه سلّمنا عدم انطباق عنوان العبادة على مثل الزكاة والخمس ، كما أنّ الصلاة لا شكّ في مصداقيّتها للعبادة ، وإن تحقّقت من الحائض ، لا أنّها لو أمر بها كان أمرها عباديّا ولكن الصوم مع كونه أمرا قلبيّا عدميّا هل يلحق بالزكاة والخمس أو يلحق بالصلاة ؟ والظاهر إلحاقه بالصلاة ، مع أنّه لا يتحقّق فيه عنوان العبادة بالمعنى المذكور ؛ إذ لا دخل للصائميّة يعني ترك المفطرات في العبادة ، والحال أنّ خروج الصوم عن العبادة لا يكون قابلا للقبول لأكثر الفقهاء .
المقدّمة الخامسة :
في توضيح عنواني الصحّة والفساد ، قال صاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » : إنّ الصحّة والفساد وصفان إضافيان يختلفان بحسب الآثار والأنظار ، فربما يكون شيء واحد صحيحا بحسب الأثر أو النظر ، وفاسدا بحسب آخر ، ومن هنا صحّ أن يقال : إنّ الصحّة في العبادة والمعاملة لا تختلف ، بل فيهما بمعنى واحد وهو التماميّة ، وإنّما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس عليها تتّصف بالتماميّة وعدمها ، وهكذا الاختلاف بين الفقيه والمتكلّم في صحّة العبادة إنّما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهمّ لكلّ منهما من الأثر بعد الاتّفاق ظاهرا على أنّها بمعنى التماميّة ، كما هي معناها لغة وعرفا .
ولمّا كان غرض الفقيه هو وجوب القضاء أو الإعادة ، أو عدم الوجوب فسّر صحّة العبادة بسقوطهما ، وكان غرض المتكلّم هو حصول الامتثال الموجب عقلا لاستحقاق المثوبة فسّرها بما يوافق الأمر تارة وبما يوافق الشريعة أخرى .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 1 : 284 - 286 .