مقدّمات الحكمة بناء على كون إطلاق الشمولي بمعنى العموم واستفادته منه . والصورة الثالثة لم يذكره صاحب الكفاية قدّس سرّه وهو أن يكون أحدهما بالوضع والآخر بالإطلاق .
ففي الصورتين الأوليين لا يكون عموم ولا مفهوم ؛ لعدم تماميّة مقدّمات الحكمة في واحد منهما ؛ لوجود قرينة متّصلة مانعة عن انعقاد الظهور لكلّ منهما ؛ لتوقّف تماميّة مقدّمات الحكمة في كلّ منهما على عدم الآخر ، فلا محالة يتساقطان لأجل المزاحمة ، وهكذا فيما إذا كان منشأ الظهور فيهما الوضع مثل أن يقول المولى : « أكرم كلّ عالم » ثمّ قال : « إن جاءك زيد العالم فأكرمه » ومفهومه على فرض تماميّة ظهوره هو إن لم يجئك زيد فلا يجب إكرامه . فبعد تعارضه مع العام وتساقطهما لا بدّ من العمل بالأصول العمليّة في حكم زيد العالم المتّصف بعدم المجيء ، وهي تختلف باختلاف الموارد ، وفي المثال تجري البراءة .
وأمّا في الصورة الثالثة فلا إشكال في تقدّم ما ظهوره بالوضع على ما ظهوره بمقدّمات الحكمة ؛ لأنّ الظهور إذا كان بالوضع كان صالحا لأن يكون قرينة مانعة عن الظهور بالإطلاق الناشئ من مقدّمات الحكمة التي منها عدم القرينة ، فيقدّم عليه .
وأمّا إذا كان العام وما يدلّ على المفهوم في كلامين مستقلّين فإن كانا متّحدين من حيث الاستناد إلى الوضع أو الإطلاق فيعامل معهما معاملة المجمل لسقوطهما عن الحجّية للمزاحمة وإن تحقّق لهما الظهور البدوي لكون كلّ منهما قرينة منفصلة للآخر ، لا المتّصلة المانعة عن انعقاده ، فالمرجع هو الأصل العملي .
وإن كانا مختلفين بعد أنّ المراد من عدم القرينة في باب مقدّمات الحكمة هو عدم القرينة المتّصلة ، لا عدم مطلق القرينة سواء كانت متّصلة أم منفصلة كما هو الظاهر ، فيتحقّق العموم الوضعي والإطلاقي معا ، فيقدّم ما هو الأظهر منهما عند العرف بعد التعارض ، وإلّا يتساقطان ، فالمرجع في زيد العالم المتّصف بعدم المجيء هو الأصل العملي ، وإن قلنا بأنّ المراد من عدم القرينة هنا عدم مطلق القرينة ، فيقدّم ما هو
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 234
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٣٤