ويبقى الاحتمال الرابع وهو ما يستفاد العقل بالأولويّة القطعيّة حكما من كلام المتكلّم مثل : استفادة حرمة الضرب والشتم من قوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
بدون ارتباط هذا الحكم من حيث الدلالة باللفظ ، هذا نظير حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذي المقدّمة ووجوب المقدّمة ، فهل يمكن تخصيص العام بالحكم المستفاد من الأولويّة القطعيّة أم لا ؟
وقال المحقّق النائيني قدّس سرّه « 1 » : إنّه لا يمكن أن يكون المنطوق أجنبيّا عن العام وغير معارض له مع كون المفهوم معارضا له ، فالتعارض في المفهوم الموافق إنّما يقع ابتداء بين المنطوق والعام ، ويتبعه وقوعه بين المفهوم والعام ، ففي الأولويّة القطعيّة يدور الأمر مدار الأصالة والتبعيّة ، فإن كان المنطوق معارضا للعام ، فيتحقّق عنوان المخصّص له بالأصل وللمفهوم بالتبع ، ولا يمكن تحقّق هذا العنوان للمفهوم بدون المنطوق .
ولكن اعترض عليه بعض العلماء بأنّ الأمر يكون كذلك في أكثر الموارد ، إلّا أنّه يمكن الجمع بين كون المفهوم بمعنى الأولويّة القطعيّة وتعارض المفهوم مع العام بدون المنطوق في بعض الموارد ، كما إذا قال المولى : « لا تكرم العلماء » ثمّ قال بدليل آخر :
« أكرم جهّال خدّام الفقهاء » .
ومعلوم أنّه لا منافاة بين الدليلين ، ولا تعارض بينهما حتّى بنحو العام والخاص المطلق من حيث المنطوق ولكن يتحقّق الأولويّة في الدليل الثاني أوّلا : بأنّ الجهّال من خدّام الفقهاء إن كان واجب الإكرام يكون علمائهم بطريق أولى كذلك ، وثانيا : بأنّ خدّام الفقهاء إن كان واجب الإكرام يكون الفقهاء كذلك بطريق أولى ، ولا شكّ في تعارض كلّ من المفهومين مع عموم لا تكرم العلماء ، وصلاحيّتهما لتخصيصه ، ويتحقّق هاهنا في بادئ النظر ثلاثة احتمالات :
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 1 : 556 .