التضمّنية على الطبيعة ، فكلمة « النار » لا تحكي إلّا عن ماهيّة النار ، ولكن بعد جعلها مضاف إليه لكلمة الكلّ الذي يدلّ بحسب الدلالة الوضعيّة على استيعاب أفراد مدخوله يكون معناها أنّ كلّ فرد من أفراد طبيعة النار حارّة ، وهذا الحكم لا يختصّ بالأفراد الموجودة بالفعل ، بل يشمل الأفراد التي تتحقّق في الاستقبال أيضا .
لا يقال : إنّ هذا المعنى يتنافى مع القاعدة الفرعيّة ، أي ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ؛ بأنّه كيف يمكن اتصاف النار التي لم تتحقّق بعد بأنّها حارّة .
فإنّا نقول : إنّ المراد من قضيّة كلّ نار حارّة هو تحقّق الاتّحاد بين النار الواقعيّة والحقيقيّة والحرارة ، يعني إذا تحقّقت النار في الخارج تتصف بأنّها حارّة .
نكتة : أنّ دلالة كلمة « كلّ » على استيعاب الأفراد تكون بمعنى نظارتها إلى الكثرة بدون خصوصيّاتها الفردية ، فمعنى كلّ نار حارّة أنّ كلّ النار الموجودة بالفعل أو فيما يأتي تتصف بأنّها حارّة ، بلا فرق بين أنواع منشأها ، وخصوصيّاتها الزمانيّة والمكانيّة ، فلا يمكن التفكيك بين النار والاتصاف بالحرارة .
نكتة أخرى : إذا قال قائل : كلّ إنسان حيوان ناطق هل هي قضيّة طبيعيّة أم حقيقيّة ؟ مع أنّ الحيوان الناطق وصف لماهيّة الإنسان . والجواب عنه : أنّ مثل هذا التعبير لا يصدر من الحكيم الملتفت ؛ إذ لا يترتّب على الإتيان بلفظة « كلّ » فائدة ولا تحتاج الطبيعة إليها ، ولا يصحّ اتصاف الوجود خاصّة بالوصف المذكور .
ولكن يقتضي ظاهر عبارة المحقّق النائيني قدّس سرّه أنّ نسبة المعدومين والموجودين في القضيّة الحقيقيّة على السواء ؛ إذ المعدومين ينزل بمنزلة الموجودين ، وهذا الفرض والتقدير يكون مجوّزا لحمل المحمول عليها نظير حمله على الموجودين ، فالموضوع في القضية الحقيقيّة عبارة عن الأفراد الموجودة ، سواء كانت موجودة بالحقيقة أم بالتنزيل .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 217
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢١٧