والجواب عنه : أنّ وضع اللفظ ووضع العلم على رأس الفرسخ كليهما مشتركان في أنّ الموضوع له فيهما أمر اعتباري ، ودلالتهما على كون هذا المكان رأس الفرسخ ، وهذا المعنى لذلك اللفظ ، فلا فرق بين المشبّه والمشبّه به من هذه الحيثيّة ، فكما أنّ وضع اللفظ يكون من الأمور الاعتبارية ، وهكذا الإشارة ووضع العلم يكون كذلك بلا تفاوت وبلا إشكال ، فهذا الفرق وهذا الإشكال كلاهما في غير محلّه .
والحقّ في المسألة ما أفاده المرحوم الأصفهاني قدّس سرّه أي : اعتبارية الوضع بتمامه ، مع ما بيّنا من التوضيح كما مر .
إذا عرفت هذا فلنشرع في مسألة تقسيم الوضع إلى التعييني والتعيّني ، ونقول في الابتداء : إنّ هذا التقسيم صحيح أو يكون الوضع على نهج واحد فقط ؟ لا يخفى أنّ القول بكليهما خال عن الإشكال .
ويمكن أن يقال : إنّ هذا التقسيم مجازي لا دليل لنا أن يكون الوضع على قسمين كما قلنا في جواب المحقّق الخراساني قدّس سرّه . وإذا كان كثرة الاستعمال في المعنى المجازي بحدّ لا يحتاج إلى القرينة حين الاستعمال يكون هذا المعنى أيضا معنى حقيقيّا للفظ ولكنّه لا يكون معنى موضوعا له ، ولا منافاة بينهما فإنّ الوضع أخصّ من الحقيقة ، فيكون وضع التعيّني خارجا عن حقيقة الوضع .
ويمكن أن يقال : أنّه إذا كان كثرة الاستعمال في معنى مجازي بحدّ لا يحتاج إلى القرينة يعتبر ارتباط واختصاص من طرف أهل هذه اللغة بين اللفظ والمعنى ، مثل اعتبار معتبر خاص بينهما ، فإنّا نرى بالوجدان في مسألة اعتبار الملكيّة والزوجيّة عدم اطّلاع كلّ العقلاء في كلّ فرد منهما ، بل تكون المسألة على أساس الملاك والضوابط ، وإذا كانت الضوابط موجودة يعتبرهما العقلاء ، وإذا لم تكن موجودة لا يعتبرهما العقلاء ، وهكذا في ما نحن فيه فإذا كان كثرة الاستعمال بحد لا يحتاج إلى القرينة يعتبر عقلاء أهل اللّغة الارتباط والاختصاص بين اللفظ والمعنى .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 91
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٩١