على كلّ شيء قدير .
ثمّ ذكر تأييدا لهذا بأنّه لو سلّم إمكان ذلك للبشر فتبليغ ذلك التعهّد وإيصاله إلى عامّة البشر دفعة محال عادة ، ودعوى أنّ التبليغ والإيصال يكون تدريجا ممّا لا ينفع ؛ لأنّ الحاجة إلى تأدية المقاصد بالألفاظ يكون ضروريّا للبشر على وجه يتوقّف عليه حفظ نظامهم ، فيسأل عن كيفيّة تأدية مقاصدهم قبل وصول ذلك التعهّد إليهم ، بل يسأل عن الخلق الأوّل كيف كانوا يبرزون مقاصدهم بالألفاظ ، مع أنّه لم يكن بعد وضع وتعهّد من أحد . وكيف كلّم يعرب بن قحطان - مثلا - الحاضرين لمجلس الوضع ؟ إذ المفروض أنّهم لا يعلمون بوضع الألفاظ للمعاني ، فالواضع هو اللّه تعالى .
ولكن ليس وضعه تعالى للألفاظ كوضعه للأحكام على معلّقاتها وضعا تشريعيّا ، ولا كوضعه الكائنات وضعا تكوينيّا ، فإنّ ذلك ممّا نقطع بخلافه ، بل المراد من كونه تعالى واضعا أنّ حكمته البالغة لمّا اقتضت تكلّم البشر بإبراز مقاصدهم بالألفاظ فلا بدّ من انتهاء كشف الألفاظ لمعانيها إليه تعالى شأنه بوجه ، إمّا بوحي منه إلى نبيّ من أنبيائه ، أو بإلهام منه إلى البشر ، أو بإيداع ذلك في طباعهم ، بحيث صاروا يتكلّمون ويبرزون المقاصد بالألفاظ بحسب فطرتهم حسب ما أودعه اللّه في طباعهم ، فدعوى أنّ مثل يعرب بن قحطان أو غيره هو الواضع ممّا لا سبيل اليه ؛ لما عرفت من عدم إمكان إحاطة البشر بذلك .
أقول : للتأمل في هذا المقال مجال من جهات مختلفة :
الأوّل : أنّه لو قلنا : بأنّ الواضع هو اللّه تعالى وينتقل هذا إلى الناس بواسطة وحي إلى الأنبياء ، وهذا كاشف من أهمّية مسألة الوضع فلا بدّ من تصدّي التواريخ أو أحد من الكتب السماويّة لضبطه ولو بصورة القصّة من قصص الأنبياء السالفة ، مع أنّه لم تذكر هذه المسألة في أيّ عصر وزمان وعمّن تصدى لها خبر ولا أثر .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 79
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٧٩