أمّا لو كان المراد علّية تامة لانتقال ذهن المستمع من اللفظ إلى المعنى فبطلانه من أوضح الواضحات ؛ لأنّ لازم ذلك تمكّن كلّ شخص من الإحاطة بتمام اللّغات ، فضلا عن لغة واحدة .
وأمّا لو كان المراد من المناسبة الذاتيّة أن يكون سماع اللّفظ مقتضيا لانتقال الذهن إلى معناه ففيه أنّ ذلك وإن كان بمكان من الإمكان ثبوتا وقابلا للنزاع ، إلّا أنّه لا دليل على تحقّقها كذلك في مرحلة الإثبات ، فلا يمكن الالتزام بها .
ويستفاد من كلمات الأعاظم دليلان لإبطال هذا الاحتمال ، أحدهما : من كلمات الإمام - دام ظلّه - ، والآخر : من كلمات بعض الأعلام .
قال الإمام - دام ظلّه - « 1 » : ثمّ إن دعوى وجود المناسبة الذاتيّة بين الألفاظ ومعانيها كافّة قبل الوضع ممّا يبطله البرهان المؤيّد بالوجدان ؛ إذ الذات البحث البسيط التي لها عدّة أسماء متخالفة من لغة واحدة أو لغات ، إمّا أن يكون بجميعها الربط بها ، أو لبعضها دون بعض ، أو لا ذا ولا ذاك . فالأوّل يوجب تركّب الذات وخروجها من البساطة المفروضة ، والأخيران يهدمان أساس الدعوى .
وقال بعض الأعلام « 2 » : إنّه لا يعقل تحقّق المناسبة المذكورة بين جميع الألفاظ والمعاني ؛ لاستلزام ذلك تحقّقها بين لفظ واحد ومعاني متضادّة أو متناقضة ، كما إذا كان للفظ واحد معان كذلك كلفظ « جون » الموضوع للأسود والأبيض ، ولفظ « القرء » للحيض والطهر ، وغيرهما ، وهو غير معقول .
وأمّا الدليل الذي أقاموا لنفي مدخلية الوضع أنّه لولا هذه المناسبة بين الألفاظ والمعاني لكان تخصيص الواضع لكلّ معنى لفظا مخصوصا بلا مرجّح ، وهو محال كالترجح بلا مرجّح ، أي وجود حادث من دون سبب وعلّة .
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول 1 : 14 .
( 2 ) محاضرات في أصول الفقه 1 : 32 - 33 .