وقت الحاجة ، ومن الظاهر أنّ كمية الغرض الداعي إليه تختلف سعة وضيقا بمرور الأيّام والعصور ، ففي العصر الأوّل كانت الحاجة إلى وضع ألفاظ قليلة بإزاء معان كذلك لقلّة الحوائج في ذلك العصر ثمّ ازدادت الحوائج مرّة بعد مرّة وقرنا بعد قرن ، بل وقتا بعد وقت وكذلك وضع لفظ زيد .
وأمّا كيفيّة الوضع أنّه قد تكون المعاني جزئيّة وقد تكون كلّية ، وإن كان المعنى جزئيّا - كالأعلام الشخصيّة - فلا شك في أنّ الشخص إذا أراد أن يضع اسما لولده - مثلا - يتصوّر أوّلا ذات ولده وثانيا لفظا يناسبه ، ثمّ يتعهّد في نفسه بأنّه متى قصد تفهيمه يخاطبه بذلك اللفظ . وأمّا إن كان المعنى كلّيا يستعمل بعد التعهّد في فرد منه أوّلا وفي فرد آخر منه في استعمال آخر وهكذا ، فهذا يكشف أنّ مثل لفظ « الماء » - مثلا - وضع لجسم سيّال بارد بالطبع لا لفرد من أفراده ، بل لمفهوم كلّي ، فمسألة الوضع ومسألة تكثّر اللغات منوطة بالبشر .
في حقيقة الوضع
وفيه أقوال :
الأوّل : قال صاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » : الوضع نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه به تارة ومن كثرة استعماله فيه أخرى ، وبهذا المعنى صحّ تقسيمه إلى التعييني والتعيّني كما لا يخفى .
أقول : جملة بهذا المعنى تكون بمنزلة التعليل ؛ لعمومية تعريف الوضع ، ومراده أنّ ماهيّة الوضع منقسم إلى قسمين : تعييني وتعيّني ، والمقسم عبارة عن حقيقة وماهيّة الوضع ، مع أنّه ليس في الوضع التعيّني واضع في البين ، بل هو نتيجة قهرية
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 1 : 10 .