تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
الثاني : أنّ دعوى انتقال الوضع من اللّه تعالى إلى الناس بصورة الإلهام أو إيداع ذلك في طباعهم مدفوع ، بأنّ المراد من الإلهام أو الإيداع هو الإلهام أو الإيداع إلى كلّ النفوس إلى يوم القيامة ، أو إلى عدّة من الناس في أوّل الخلقة ؟ لو كان المراد هو الأوّل فلا يناسب هذا جهلنا باللّغات ، ولو كان المراد هو الثاني فلا يناسب هذا تكثّر اللغات وإن قلنا : إنّ مسألة تكثر اللغات أيضا منتسب إلى اللّه تعالى ، بأنّ نبيّا من الأنبياء بلّغ أحكام اللّه باللسان العربي والآخر بلسان السّرياني ، وهكذا في جميع اللغات والألسنة ، أو أنّ اللّه تعالى ألهم أو أودع إلى عدّة من الناس اللغة العربيّة ، وإلى عدّة أخرى اللغة الفارسيّة ، وهكذا في جميع اللغات . ولكنّه لا يناسب غاية الوضع وغرضه الذي كان عبارة عن السهولة في التفهيم والتفهّم والسهولة في انتقال الأغراض والمقاصد ، ومعلوم أنّ أصل تكثّر اللّغات مبعّد من هذا الغرض ، ولا يخفى على أحد أولويّة وحدة اللغة واللّسان في العالم ، وأنّ تكثّر اللغات أو حب التعب والألم الشديد للمحققين والتلامذة . وأمّا قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
« 1 » لا يستفاد منه أنّ كلّ الآيات تكون نافعا للإنسان ، بل ربّ آية من آيات اللّه تكون ضرر على الإنسان ، كالمعصية التي كانت حاكية من إعطاء القدرة لنا وهي من آياته تعالى ، فلا شكّ ولا ريب في أنّ مسألة تكثر اللغات مبعّد من غاية الوضع ، فكيف ترتبط هذه باللّه تعالى شأنه وجلّ جلاله ؟ ! والحاصل : أنّ الواضع لا يكون سوى البشر ، ولكنّه لا ينحصر بشخص واحد أو جماعة معيّنة ، بل كلّ مستعمل من أهل تلك اللغة واضع تدريجا ، فإنّا نرى بالوجدان أنّ المعاني الحادثة والمكتشفة التي يبتلى بها في ذلك العصر إلى التعبير عنها يكون الواضع فيها هو البشر ، ومن الواضح أنّ الغرض منه ليس إلّا أن يتفاهم بها
هامش
( 1 ) الروم : 22 .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 80 | الشيخ فاضل اللنكراني