تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
وثانيهما : أنّه لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدّمة وزيادة المثوبة على الموافقة فيما لو أتى بالمقدّمات بما هي مقدّمات للواجب من باب أنّه يصير حينئذ من أفضل الأعمال حيث صار أشقّها ، إشارة إلى ما ورد في الروايات من : « أنّ أفضل الأعمال أحمزها » « 1 » ، فإن كان الداعي والمحرّك لإتيان المقدّمات الإيصال إلى ذي المقدّمة يتحقّق هذا العنوان ، وإلّا فلا ، هذا . ولكن لا بدّ لنا لتحقيق المسألة من ملاحظة ترتّب الثواب والعقاب ابتداء في الواجبات النفسية ، وأنّ ترتّب الثواب والعقاب عليها مسلّم أم لا ؟ ونرى بعد الملاحظة أنّ في المسألة آراء مختلفة . وقال جماعة من الفلاسفة : إنّ الثواب عبارة عن الصور البهيّة التي تجسّمها وتمثّلها النفس الإنساني بالأعمال والأفعال الحسنة كالحور والقصور وأمثال ذلك ، فهي من لوازم الأعمال وملازم مع الإنسان العامل بها ، وتكون لها خصوصيّتان : الأولى : أنّ مصاحبتها توجب النشاط والسرور للنفس ، الثانية : أنّها تعطي النفس استعدادا للكمال والصعود إلى مراتب عالية ، والعقاب عبارة عن الصور القبيحة المتناسبة مع الأعمال السيّئة ، فهي أيضا ملازم ومصاحب مع الإنسان العامل ، ومن مصاحبتها تحصل للنفس التألّم والتأثّر أوّلا ، والسقوط والانحطاط ثانيا . ويؤيّده بعض الآيات والحكايات ، كقوله تعالى :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
« 2 » ؛ إذ العمل لا يتّصف بالحضور فإنّه متصرّم الوجود ، فلا محالة يكون معنى الآية أنّ كلّ عمل يتمثّل ويتجسّم بصورة المتناسب معه ويراها العامل عنده حاضرا ، وربما يودّ أن لا يكون معها مصاحبا ولا يراها أصلا ، ولا دليل للتصرّف في الآية ، وإضافة لفظ
هامش
( 1 ) مجمع البحرين 4 : 16 . ( 2 ) آل عمران : 30 .