انفكاك المعلول عنها وغير ذلك ، فكما أنّ النار سبب للحرارة كذلك إتلاف مال الغير سبب للضمان ، وكلّ جنابة سبب مستقلّ لوجوب الغسل ، ولا يمكن الانفكاك بين السبب والمسبّب في التكوينيّات والتشريعيّات إلّا بالإعجاز في الأولى - مثل قضية إبراهيم عليه السّلام - وحكم خلاف القاعدة في الثانية ، فلا بدّ لنا من المشي على القاعدة في موارد لم يكن الدليل على عدم الانفكاك ، وعلى ذلك بنى قدّس سرّه القول بعدم التداخل في الأسباب والقول بظهور الأمر في الفور ودلالته على المرّة ، فالأمر علّة شرعية لتحقّق المأمور به وتكون المرّة ، وكذا الفورية داخلة في مفاد الأمر ، كما أنّ الفورية والمرّة تكون من آثار العلّة التكوينية .
الثالثة : أنّ القيود اللّبية على قسمين : قسم منها ما يمكن أخذها في المتعلّق على نحو القيدية اللحاظية كالطهارة ، وقسم منها ما لا يمكن أخذها في المتعلّق وتقييده بها ، إلّا أنّه لا ينطبق إلّا على المقيّد بمعنى أنّه له ضيقا ذاتيا لا يتّسع غيره بدون دليل يوجب التوسعة كمقدّمة الواجب - بناء على وجوبها - فإنّ الإرادة المستتبعة للبعث من الأمر لا تترشّح إلى المقدّمة مطلقا ، موصلة كانت أم لا ؛ لعدم الملاك فيها ، ولا على المقيّدة بالإيصال ؛ لاستلزامه الدور المقرّر في محلّه ، ولكنّها لا تنطبق إلّا على المقدّمة الموصلة وكالعلل التكوينية ، فإنّ تأثيرها ليس في الماهية المطلقة ولا المقيّدة بقيد المتأثّر من قبلها فإنّها ممتنعة ، بل في الماهية التي لا تنطبق إلّا على المقيّد بهذا القيد ، كالنار فإنّ معلولها ليست الحرارة المطلقة ، سواء كانت مولدة عنها أم لا ، ولا المقيّدة بكونها من علّته التي هي النار ، ولكنّها لا تؤثّر إلّا في المعلول المنطبق المخصوص .
إذا تمهّدت هذه المقدّمات فنقول : إنّ المأمور به ليس إلّا نفس الطبيعة القابلة للتكثّر بحكم المقدّمة الأولى ، كما أنّ المبعوث إليه ليست الصلاة المطلقة ، سواء كانت مبعوثا إليها بهذا الأمر أم بغيره ، ولا المقيّد بكونها مأمورا بأمرها المتعلّق بها ، بل ما لا ينطبق إلّا على الأخير لا بنحو الاشتراط ، بل له ضيق ذاتي لا يبعث إلّا نحو
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 459
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٤٥٩