الثاني : أنّ استفادة النفس في آن واحد من قوّة السامعة والباصرة واللامسة لا تكون قابلة للإنكار ، فكيف تقتدر النفس في آن واحد على لحاظ المسموع والملموس وأمثال ذلك ؟ ! فيكشف أنّ للنفس سعة خاصّة التي تقتدر بها بما لا يمكن صدوره عن المادي .
الثالث : أنّ في القضايا الحمليّة التي ملاكها الاتحاد والهوهويّة وإن كان الموضوع متقدّما والمحمول متأخّرا من حيث اللفظ ، إلّا أنّ حمل الشيء والحكم بثبوته له كقولنا : « زيد قائم » يستدعي لحاظ كلّ من الموضوع والمحمول في آن واحد ، وهو آن الحكم ، وإلّا لكان الحكم من النفس ممتنعا ، فلا بدّ حين الحمل والحكم من الالتفات إليهما ، وحضورهما معا في النفس بلا تقدّم وتأخّر ، فالحمل يستلزم الجمع بين اللحاظين الاستقلاليين .
الرابع : أنّه لا إشكال في أنّ قولنا : السواد والبياض متضادان قضيّة صحيحة ، ولا ريب في أنّ الموضوع فيها عبارة عن السواد والبياض بلا تقدّم وتأخّر في موضوعيّة أحدهما على الآخر ، فالمتكلّم حين حمل المتضادين عليهما إمّا أن يكون غافلا عنهما ، وإمّا أن يكون ملتفتا إلى كلّ واحد منهما ولا ثالث في البين ، وحيث إنّ الأوّل غير معقول فتعيّن الثاني ، فلا بدّ من حضورهما ولو في آن واحد عند النفس معا حتى يصحّ الحمل ، فالاستحالة التي ادعى المحقّق النائيني قدّس سرّه في جانب المعنى - أي اجتماع اللحاظين المستقلّين في آن واحد عند النفس - ليست بتمام ، كما أنّ الاستحالة التي ادعاها المحقّق الخراساني قدّس سرّه في جانب اللفظ أيضا ليست في محلّه .
فقد ذكر طريق ثالث للاستحالة : بأنّ للمفاهيم والماهيات تصوّر وجودات خمسة : الأوّل : الوجود العيني الخارجي ، الثاني : الوجود الذهني ، الثالث : الوجود الانشائي ، ولكنّه منحصر ببعض المفاهيم كمفهوم الطلب وأمثاله ، الرابع : الوجود الكتبي ، الخامس : الوجود اللفظي . وهو أنّ تحقّق العلقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 287
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٨٧