تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
بل هو متقوّم بالغير في ذلك العالم كمعاني الحروف ؛ إذ لا استقلال لها في أي وعاء من الأوعية التي فرض وجودها فيها لنقصانها في حدّ ذاتها ، فلذا إن أطلقت كلمة « من » وأمثال ذلك وحدها من دون ذكر متعلّقاتها لا يحض منها شيء في الذهن . وأشار قدّس سرّه إلى نكتة في آخر كلامه والأجود ذكرها هاهنا لتوضيح مراده ، ومحصّل كلامه فيها : ولقد أجاد أهل العربية عندما عبّروا في مقام التفسير عن المفاهيم الحرفية بأنّ كلمة « في » للظرفيّة ، ولم يقولوا أنّ « في » هي الظرفية ، كما هو ديدنهم في مقام التعبير عن المفاهيم الاسمية ، فهذا دليل على أنّه لا يكون للحروف معنى مع قطع النظر عن متعلّقاتها . فظهر أنّ المعاني الاسمية تخطر في الذهن عند التكلّم بها ، سواء كانت مفردة أم في ضمن تركيب كلامي ، ولكن لما لم يكن بينها رابطة ذاتية توجب ربط بعضها ببعض دعت الحاجة في مقام الإفادة والاستفادة إلى روابط تربط بعضها مع الآخر ، وليست تلك الروابط إلّا الحروف وتوابعها ، فانّها موضوعة لإيجاد المعنى الربطي بين المفاهيم الاسمية في التراكيب الكلامية ، فلو لا وضع الحروف لم توجد رابطة بين أجزاء الكلام أبدا ، بداهة أنّه لا رابطة بين مفهوم « زيد » ومفهوم « الدار » في أنفسهما ؛ لأنّهما مفهومان متباينان بالذات ، ولا بدّ من رابط يرتبط أحدهما بالآخر ، وليس إلّا كلمة « في » كما أنّ كلمة « من » رابط بين المبتدأ به والمبتدأ منه ، وهكذا فتبيّن أنّ المعاني الحرفية معان إيجادية ، وليس لها واقع في وعاء الذهن والخارج وعالم الاعتبار ما عدا عالم الاستعمال . ونظيرها صيغ العقود والإيقاعات بناء على ما ذهب إليه المشهور من أنّها الآت وأسباب لإيجاد مسبّباتها كالملكية والزوجية والرقية ونحوها ، ولكن الفرق بينها وبين المقام من ناحية أخرى وهي : أنّ المعاني الإنشائية كالزوجيّة - مثلا - مستقلّة في عالم المفهوم دون المعاني الحرفيّة هذا أوّلا . وثانيا : أنّ المعاني الإنشائيّة موجودة في عالم الاعتبار دون المعاني الحرفية ، فإنّ وعاءها عالم الاستعمال فقط ، بل كان حال المعاني الحرفية في قبال المعاني الاسمية حال الألفاظ في