ولكن هذا القول مخدوش بل ممنوع ، فإنّا نرى أوّلا : أنّ اللّغويين يذكرون للحروف معاني في لغات أخرى كالأسماء ، وهذا دليل على أنّ لها موضوعيّة في جميع اللّغات مثل اللّغة العربيّة . وثانيا : أنّ الأماريّة والعلاميّة في الحركات الإعرابيّة لا تكون ذاتيّة ، بل هي بجعل الواضع والجاعل ، وذلك في الحقيقة وضع ، وإن عبّر عنه بالعلاميّة . وثالثا : أنّ الخصوصيّات التي دلّت عليها الحروف والأدوات هي بعينها المعاني التي وضعت الحروف بإزائها ؛ إذ البصرة وضعت لذات معناها وهي البلد الموجود خارجا ، والخصوصيّة الابتدائيّة خارجة عنها ، فإن لم يكن حينئذ لكلمة « من » معنى الابتدائيّة يلزم التجوّز في الاستعمال وهو كما ترى ، فانحصر أن يكون الدال عليها هي الحروف ، ومعلوم أنّ دلالتها عليها ليست إلّا من جهة وضعها بإزائها ، فبطلان هذا القول من الواضحات الأوّلية .
القول الثالث : ما اختاره المحقّق النائيني « 1 » قدّس سرّه وهو : أنّ المعاني الحرفيّة والمفاهيم الاسمية متباينان بالذات والحقيقة ؛ إذ المفاهيم الاسمية مفاهيم إخطاريّة لها تقرّر وثبوت في عالم المفهوميّة ، ولها استقلال ذاتا في ذلك العالم ، وأمّا المعاني الحرفيّة فهي معان إيجادية حين الاستعمال ، ولا تقرّر لها في عالم المفهوميّة ولا الاستقلال . بيان ذلك : أنّه كما أنّ الموجودات في عالم العين على نوعين - أحدهما : ما يكون له وجود مستقل بحدّ ذاته كالجواهر بأنواعها ، فإنّ وجودها لا يحتاج إلى موضوع محقّق في الخارج . وثانيهما : ما يكون له وجود غير مستقل ومتقوّم بالموضوع كالمقولات التسع العرضية ؛ إذ لا يعقل تحقّق عرض بدون موضوع يتقوّم به - فكذلك الموجودات في عالم الذهن على نوعين : أحدهما : ما يكون له استقلال بالوجود في عالم المفهوميّة والذهن كمفاهيم الأسماء بجواهرها وأعراضها ، فإنّ مثل مفهوم الإنسان والسواد والبياض يحضر في الذهن بلا حاجة إلى معونة خارجيّة ، وثانيهما : ما لا استقلال له ،
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 1 : 37 .