قدس سره مع ما انا فيه من تزاحم الهموم وتراكم الغموم واضطراب الحال وبلبلة اقبال وضيق المعيشة وغور عيون العلوم ويبس نضارة دقائقها بذلة أهلها بين أبناء هذا العصر وأسلاء هذا الدّهر إلى أن لم يسعني مخالفة سؤلهم وتأخير مقترحهم فاهتزت العواطف الرحمانية حيث ساعدنى التوفيق للاقدام على هذا الامر الأهم فشمرت للجدّ في تحرير ما كنت املى فلما بلغ النصاب الأوفى في ارض الحائر الحسينية على صاحبها آلاف آلاف ثناء وتحية اتى الدّهر بما هدّ الاصلاب واطار الألباب النازلة الهائلة والفجيعة الفظيعة في تلك البقعة المباركة في سنة 1258 سافرت إلى بلاد العجم وانا بين أنياب الزّمان ومخالبه مرتضعا من الدّهر ثدي عقيم وراكبا من الذل ظهر بهيم كسيرا لا يجبر ومضيما لا ينتصر فكتبت بعض المباحث الباقية في تلك البلاد في الأيام الخالية والقلب دهش والبنان مرتعش وكيف لا حيث لا ينفس اطلاق الزفرات واعلان الضجيج تنفيسا من برحاء القلوب وتخفيفا من أثقال الكروب ثمّ جاء ما كتبت كتابا كبيرا حاويا للتحقيقات والتدقيقات التي لن تسمح بمثلها الافكار في الادوار ما دار الفلك الدّوار فسمّيته بخزائن الأصول لأنه في الحقيقة لأهل الفن مرجع القروم والفحول فهذا من بركة سلالة من هو أول العدد ونهاية الأبد روحه نسخة الأحدية في اللاهوت وجسده صورة معاني الملك والملكوت وقلبه خزانة الحي الذي لا يموت طاوس الكبرياء وحمام الجبروت اعني سليل النبوة وعقيد الخلافة امام الأنام والمستدر بوجهه درر الغمام أتم بريّة اللّه خيرا وفضلا واطيبهم فرعا وأصلا وأكرمهم عودا وأعلاهم منصبا المهدى القائم من آل محمد اللهمّ صل عليه وعلى آبائه الطاهرين وأجداده المعصومين وعجل فرجه وفرجنا بظهوره فنرى ان سطعت مصابيح العدل وأنواره وطلعت شموس الامن واقماره قد أحيا سنن العدل وأمات سير الجور فحمى الدّين المنيع وجناب الملك مريع فجعلت هذا الكتاب كسائر كتبي ومصنفاتى من خزائن الاحكام في شرح المنظومة المسمّاة بالدرة الغروية ومن كتاب العناوين في الأصول وغيرها هدية لحضرته الشريفة وخدمة لشريعة جدّه المنيفة اللهم اجعلها مقبولة عنده بحقك عليه وبحقّه عليك واجعلها مما ينتفع به الطلاب والعلماء مدى الدهور والأزمنة وصلّى اللّه على محمد وآله فهذا الكتاب يتضمن أبوابا وفصولا متضمنة لخزائن
باب في بيان أمور وفيه خزائن
خزينة : في الأدلّة العقلية وفيه مقدمات
خزينة في الأدلة
المقدمة الأولى : في تعريف العقل والدليل العقلي
العقلية مقدّمة اعلم أن فهم التركيب التوصيفى والارتباط بين المنسوب والمنسوب اليه يتوقف على فهم المفردات فالدليل ما يمكن التوصّل به بصحيح النظر إلى مطلوب خيرى فعلى هذا ليس ما لم يتركب من مقدّمتين بدليل واطلاقه على المفرد تسامح أو توهّم والعقل يطلق على معان منها القوة التي يلزم بها العلم بالضروريات وان شئت فعبر عن ذلك بالخصلة الانسانية والملكة النفسانية التي بها يمتاز الانسان عن البهائم ويستعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصّناعات الفكرية ويستوى فيها الأحمق والذكي ونسبة هذه القوة في استعدادها لانكشاف العلوم كنسبة المرآة إلى صور الألوان ونسبة العين إلى صور المرئيات وهي وان كانت مما يستوى فيه الأحمق والذكي ويوجد في النائم والغافل والمغمى عليه إلّا انه مع ذلك مما يختلف به النفوس الانسانية باختلاف أصل الفطرة بالاشراق والكدورة والضياء والظلمة فبعضها مما فيها زيتها يضاء وبعضها مما ناره كاد ان تخمد وتطفى وبالجملة وهو الذي اختاره آدم ع من الثلث حين عرضت عليه منه ومن شقيقيه من الحياء والدين كما ذلك مشهور في الآثار وإلى ذلك يرجع ما ذكره الفيروزآبادي كما لا يخفى وكثيرا ما يستعمله الحكماء والمنطقيّون في باب البرهان مصرّحين بأنه ما به يحصل اليقين بالمقدمات الضرورية لا عن قياس وفكر بل بالفطرة ومنها مدرك هذه القوة المشهور في بادي الرأي المشترك عند الكل أو الأكثر كالعلوم الضرورية وكثيرا ما يستعمله المتكلمون بقولهم هذا ما يوجبه العقل وهذا ما ينفيه ومنها المتداول في السنة جمهور الناس من جودة الرويّة وسرعة التفطن وان كان في الاغراض الفاسدة وبهذا الاعتبار قد عبّر في الاخبار عن هذه الحالة بالنكراء والشيطنة والدهاء وهذه الحالة من الحالات الرزيلة والملكات الظلمانية ومنها ضد ذلك وهو ما يحصل بالرياضات والمجاهدات والتخلق بالأخلاق الحسنة وهو الراغب في الحسنات والراغب عن المعاصي وهو الذي عبّر عنه في الاخبار بما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان ومنها القوة التي من شانها انتزاع مهيات الموجودات وصورها وادراك الأوليات ويعبّر عنها تارة بالعقل بالقوة وتارة بالعقل الهيولائى وهو بهذا المعنى عين النفس من حيث ملاحظة نشآتها الأولى وحالتها الكذائية ومنها العقل بالملكة وهو بعد حصول الاستعداد لاكتساب النظريات بحصول العلوم الأولية باستعمال الحواس الظاهرية والباطنية ومنها العقل المستفاد وهو بعد مشاهدة النظريات ومنها العقل بالفعل وهو بعد كون العلوم مخزونة غير محتاجة إلى تجشم اكتساب جديد وقد يراد من هذه الثلث النفوس الانسانية بحسب نشأتها الثلاثة وحالاتها المختلفة وهذه الاقسام متفاوتة بالشدة والضعف والكمال والنقص ومنها الجوهر المجرّد عن المادة في ذاته وفعله وهو المعبّر عند الحكماء بالمجردات وهي كثيرة عند محققيهم لا بالكثرة التي هي تحت نوع واحد ولا بالفصول ولا بالعوارض الخارجية أيضا بل هي عندهم مراتب وجودية بسيطة متفاوتة بالأشد فالأشد والأنور فالانور فهي كانوار وأشعّة متفاوتة بحسب القرب إلى نور الأنوار ومنها الجوهر النوراني الملكوتي الذي خلق من نور عظمة اللّه وبه أقام السماوات والأرضين وهو المعبّر في الاخبار تارة بالعقل وتارة بالقلم وتارة بالنفس الرحماني وتارة بالكلمة التامة وتارة بالنور المحمدي ص وإذا تمهد هذا فقد بان ان المنسوب اليه في هذا التركيب التوصيفى هو المعنى الأول ولا سبيل لإرادة غيره الا العقل