خاليا عن جميع ذلك الاستحقاق فح يكون مستحقا فيه البتة وعقد الكلام ان المسلم هو حكمه بان بعض الأفعال مستحق للثواب اى بحيث لو أثيب فاعله مع قطع النظر عن جميع الأشياء لما كان في غير موقعه وبان بعضها مستحق للعقاب بحيث لو عوقب فاعله به لما كان ظلما هذا وأنت خبير بعدم انتساق هذا الكلام واختلال انتظامه وليس الا كالثياب الخلقة كلما خيطت من جانب تهتكت من جانب آخر فيرد عليه أولا ان القول باستقلال العقل في تعلق المدح والذم دون الثواب والعقاب مع مشاهدة الافعال في مراتب الحسن والقبح متفاوتة في الشدة والقوة والضعف مما لا يتفوه به العاقل وثانيا ان اضرابه واثباته الاستقلال والاستحقاق مع عدم ملاحظة الوعاء والنشأة من الدنيوية والأخروية الا في الصورة التي أشار اليه مما لا معنى له وثالثا ان تسليمه استقلال العقل في اثبات مطلق المعاد بل خصوص الروحاني إذا لوحظ امر اللّه تعالى بالأشياء ونهيه عنها نظرا إلى ما ذكر دون غير ذلك امر اغرب إذ استقلال العقل في ادراك وجوب بعض الأشياء أو حرمة بعضها عنده ينبعث منه حكمه بالوجوب والحرمة عند اللّه تعالى أيضا وان لم يصل منه امر ونهى ظاهريان ببعث الرّسل فان قلت إن هذا انما يتجه بعد اثبات الملازمة بين الوجوب العقلي والشرعي قلت ثبوت الملازمة كما تطلع مما لا شك فيه فهذا القائل الذي يريد عدم استقلال العقل في اثبات المعاد الروحاني إذا قطع النظر عن امر اللّه وشرعه فإن كان يزيد عدم الاستقلال حتى على تقدير ثبوت الملازمة ففساده اظهر وان كان مقصوده عدم الاستقلال في امر المعاد الروحاني لعدم ثبوت الملازمة فيؤاخذ بان هذا ليس مما يصير اليه أهل التحقيق من الاصوليّين من الامامية والمعتزلة والأشاعرة إذ لا فائدة في المبحث الا اثبات الحكم الشرعي من العقل وكلامهم الحاكم اما عقل أو شرع كما عليه الامامية والمعتزلة أو شرع فقط كما عليه الأشاعرة شاهد حق بذلك بل إن بعض الفحول قد تصدر العنوان بان معنى ما يستقل به العقل هو انه كما يدرك العقل حسن بعض الأشياء بالمعنى المعروف ويحكم بأنه واجب عقلا كذا يحكم بأنه واجب عند اللّه تعالى وان لم يصل منه امر فهذا صريح في خلاف مدعى هذا القائل على أنه لا معنى معقول لهذا الكلام بعد الاذعان بان دليل العقل من جملة موضوع علم الأصول وانه من أدلة الفقه وبالجملة إذا لوحظ تفاوت الافعال بحسب الحسن والقبح وان بعضها لا يساويه في مقام الجزاء والمدح والذم بل الثواب والعقاب في العاجل وأضيف إلى ذلك ملاحظة موت الفاعل بعد صدور الفعل وقبل حصول المجازاة الدنيوية ظهر استقلال العقل في اثبات مطلق المعاد أو الروحاني وان قطع النظر عن وصول الامر الشرعي الظاهري فهذا أيضا من ثمرات المسألة وفوائده يحكم به عقل كل عاقل ويكون له وسيلة إلى اثبات المعاد في الجملة وترتب الثواب والعقاب فيه من غير احتياج إلى معرفة مقدمات الفلاسفة التي على فرض تماميتها غير نافعة في مثل المقام فقد بان من ذلك كله ان ذكر الثواب والعقاب والعاجل والاجل مما في محلّه نعم حذف ذلك لتعميم المبحث حتى يشمل فعل اللّه تعالى مما في مخره ومع ذلك فالابقاء مع إرادة التعميم بالتنوير والعناية أولى وأحسن وفوائده أكثر وأتم
في المراد من المدح والذم مدح اللّه أو مدح العقل
إذا عرفت هذا فاعلم أن المراد من المدح والذمّ في محل النزاع هو مدح العقل لا مدح اللّه تعالى وما يستفاد من الحاجبى والعضدي حيث قالا لا يحكم العقل بان الفعل حسن أو قبيح في حكم اللّه تعالى تبعا لبعض شراح التجريد من أن المراد مدح اللّه ليس ليس بجيّد إذ المقام مقام حكم العقل ومدحه والمراد من العقل العقل الخالص الذي لا يتعلق الشبهة بخطاء احكامه ولعل سر العدول لأجل ان حكم العقل ربما يكون حظا وأنت خبير بان هذا الاحتمال مثل احتمال ان العقل ربما خطا في حكمه بامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما وكذا في توحيد الواجب والظاهر أن غرضهم للتنصيص والتسجيل على صدق الحكم ومطابقته للواقع وكيف كان فالامر في مثله سهل بعد وضوح المقصود وعدم انكارهم ما قررنا ومن العجيب والعجائب جمته ما وقع من البعض مما يتعلق بكلامهما المذكور حيث قال زعم العضدي تبعا للحاجبى ان النزاع في حكم العقل بان الفعل حسن أو قبيح في حكمه تعالى وهذا الكلام يحتمل وجوها الأول ان النزاع في ادراك العقل حسن حكمه تعالى بشيء أو قبحه الثاني ان النزاع في ادراك بالعقل حسن الفعل وقبحه المؤثرين في وقوع حكمه تعالى به من ايجاب أو تحريم الثالث ان النزاع في ادراك العقل حسن الفعل وقبحه بالنسبة اليه تعالى وظاهر العبارة أحد الوجهين الأولين ويظهر من كلامهما في الدليل الثاني إرادة الوجه الأخير ويمكن تنزيلها على ما يتناول الوجوه الثلاثة أو وجهين منها وكيف كان فهذا التخصيص منهما خبط في تحرير محل النزاع وغفلة عما تنادى به حجتهم هذا وأنت خبير بان هذا ليس الا اتباع البعض في احتمال هذه الوجوه في كلامهما ثم المناقشة عليها حيث قال يعنى ان العقل لا يحكم بان الفعل حسن أو قبيح لذاته فيما تعلق به حكم اللّه تعالى من افعال المكلفين وقال آخر ويمكن ان يقال المراد لا يحكم بان الفعل حسن أو قبيح بالنسبة إلى حكم اللّه تعالى اى لا يحكم بأنه يحسن ان يحكم اللّه تعالى به اى يجب ان يأمر به أو يقبح ان يحكم تعالى به اى يجب ان ينهى عنه أو يقال المراد انه لا يحكم العقل بأنه حسن أو قبيح في حكم اللّه تعالى اى عند اللّه وفي نظره ولذلك امر به أو نهى عنه ثم أورد انه لا وجه للتخصيص وبالجملة ان الحاجبى والعضدي انما يؤاخذان بما ذكرنا إذ هما في تحرير محل النزاع بحسب التعميم ممن اقتفى به القوم وكيف لا وسوقهم الأدلة على التعميم من الشواهد على ذلك كما اعترف به المعترض فالتوجيه الحسن في كلامهما هو ما ذكرنا وأقرب منه ان يكون المراد الحسن والقبح المتحققان في حكم اللّه تعالى وهذا هو معنى المدح والذم وهذا عين محل النزاع إذ الحسن المتحقق في ضمن حكم اللّه بمعنى المدح لا بالمعاني الأخر من الكمال أو موافقة المصلحة
و
في توجيه كلام الحاجبى والعضدي
قد قال بعض المحققين في توجيه كلامهما ان المراد منه حالة حكم اللّه ومرتبته أو مع حكم اللّه عند المعتزلة