اطلاق المشككات ومن التأمل في ذلك الكلام يظهر تقاسيم أخر في المرام كما يعلم الميزان الأوفى والمعيار المستوفى في تميز اللطف من التفضّل وبالجملة فملاك الامر في الالطاف على ما أشير اليه وما يزيد عليه هو من التفضلات الجملية والتطولات المحضة لا يتطرق التقبيح والتذميم من العقل على الحكيم تعالى على الاطلاق بسبب تركها فان سمّى أحد أمثال ذلك باللطف وعده من الالطاف أو عكس الامر فلا ضير فيه بعد اذعانه بخروجه عن الاصطلاح وما عليه العلماء ويترتب عليه الاحكام والآثار وكذا ان سماها بالألطاف الزائدة فإذا تمهدت هذه الأمور وكنت على خبر منها فاعلم أن مراد المستدل من كلامه هو ما صرّح به علمائنا معاشر العدلية في باب النبوات من أن البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد كمعاضدة النقل فيما يدل عليه العقل واستفادة الحكم فيما لا يدل عليه فهي واجبة لاشتمالها على اللطف في التكاليف العقلية فان الانسان إذا كان واقفا على التكاليف بحسب الشرع كان أقرب إلى فعل الواجبات العقلية وترك منهياته وبالجملة فقد استدلوا على وجوب البعثة بان التكاليف السمعية الطاف في التكاليف العقلية إذ نعلم ضرورة ان من واظب على الصّلاة والصوم والزكاة دعاه مواظبة إلى العلم باللّه ليعلم ان العبادة هل هي لائقة به أم لا وكل لطف واجب على اللّه تعالى فيجب هذا لكونه لطفا أو لاشتماله عليه هذا فان قلت إن كلامهم هذا مدخول بل مستلزم للمح إذ معرفة اللّه تعالى متقدّمة على ثبوت الرّسالة المتقدّمة على التكليف السّمعى لطفا فيها يستلزم تقدم الشيء على نفسه وهذا هو المح قلت إن الملطوف فيه هو العلم بالمعارف الحقة العقلية واليقين به على وجه لا يزول بتشكيك المشكك وبعبارة أخرى ان المتقدّم هو العلم بوجود المرسل والصانع والملطوف فيه هو العلم بصفاته الكمالية والجمالية على ما تطق به الشريعة ومما وقع في العبارة انما وقع اتكالا على الظهور وتسامحا في التعبير وبالجملة الاعتضاد والتأكيد واللطف انما هو بحسب ابقاء هذه المعرفة وعدم العدول عنها على انّه يمكن ان يقال إن المراد من لطفية التكليف السمعي في التكاليف العقلية هو لطفيته في ايقاع ما امر به العقل كرد الوديعة وشكر المنعم ونحو ذلك فلا دور فلا محال أو يقال إن العلم بالواجبات العقلية وان كان متقدما بالطبع على الواجبات السّمعية لكن نمنع تقدّمه عليها في الوجود الخارجي مط وذلك لأنه قد لا تبينه العقل لتلك المعارف ولا يهتدى لوجهها لانغماره في الملابس البدنية والأمور الطبيعيّة واختلاط مدركاته لأجل ذلك مع الأمور الوهمية فبامر الرسول يحصل اللّطف في الملطوف فيه المتأخر من هذا الوجه وان كان متقدما من وجه آخر فلا غائلة أيضا وبالجملة فكما ان المستدل يريد قبح التعذيب قبل اللطف كذا يريد وجوب اللّطف على اللّه تعالى بان يكون واجبا متعارفا لا ان يكون من قبيل الوجوب الشرطي كما توهّم وتوهم ان مبنى الاستدلال ليس على وجوب اللطف مط بل مبناه على عدم وجوبه كذا إذ مبنى الاستدلال في الحقيقة باتفاق العدلية وهو كما ثبت في قبح التعذيب قبل اللطف كذا تحقق في وجوب اللّطف مط على اللّه تعالى فبناء استدلال المستدل على الامرين وان كان يمكن اثبات مطلبه بالبناء على الأول خاصّة ثم انّ جواب صاحب القوانين عن هذا الاستدلال بقوله أقول سلّمنا وجوب اللطف لكن وجوب كل لطف مم إذ كثير من الالطاف مندوبة فان التكليفات المندوبة أيضا لطف في المندوبات العقلية أو مؤكدة للواجبات العقلية مما لا وقع له أصلا إذ وجوب كل لطف على النهج الذي قررنا مما لا شك فيه كما لا شكّ في قبح التكليف بدون الالطاف التي هي مقربة فيها ألا ترى أصحابنا الامامية قد صرحوا بذلك في مواضع عديدة أكثر من أن يحصى منها اما صرّحوا في مبحث الإمامة من أنها لطف في التكليف العقلي ولا يتم من دونها فجرت مجرى ساير الالطاف من المعارف وغيرها في انه لا يحسن التكليف من دونها وبالجملة هذا هو المتفق عليه بينهم نعم قد أشرنا إلى انّ بعضا من قدماء الأصحاب يحسن التكليف بدون اللطف مع الشرط المذكور والظاهر أنه كان قولا منقرضا بين الأصحاب فمن قال بالقاعدة المقررة بين العدلية من قاعدة التحسين العقلي فقد قال بوجوب اللطف بل هذه المسألة فرع من فروعها وجزئي من جزئياتها وإنكار حكم العقل بوجوب اللطف على اللّه ليس الا قول بمعزولية العقل من
حيث لا يشعر ثم العجب من سند منعه وخلطه في المطلب إذ كلام المستدل في وجوب اللطف على اللّه تعالى انما هو في الملطوف فيه الالزامى لا مط فأين هذا من السّند الذي يمكن ان يعول عليه على أن ندبيّة فعل اللّطف للمكلف نظرا إلى مقربيّته في الملطوف فيه الندبي العقلي لا يستلزم ندبيّة اللطف من الجهة الراجعة إلى اللّه تعالى فيه وهو جهة البيان والاعلام وما دعى هذا المحقق إلى مثل هذا الكلام وما حدّاه اليه الا ما صدر من بعض أصحابنا في مثل المقام حيث قال إن السمعيات الطاف في العقليات إلى امتثالها باعث على امتثالها ولا معنى اللطف الّا ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة وكذا الندب السّمعى مقرب من الندب العقلي أو مؤكد لامتثال الواجب العقلي فهو زيادة في اللّطف والزيادة في الواجب لا يمتنع ان يكون ندبا ولا نعنى انّ اللطف في العقليات منحصر في السمعيات فانّ النّبوة والإمامة ووجود العلماء والوعد والوعيد بل جميع الآلام يصلح للالطاف وانما هي نوع من الالطاف هذا وأنت خبير بأنه يمكن ان لا ينافي لما قلنا وكيف كان فان هذا المحقق ان أراد من مندوبيّة بعض الالطاف مندوبية بالنسبة إلى المكلف فيخرج عن حريم النزاع بايراده هذا السّند وان أراد مندوبيّته بالنسبة اليه تعالى فيرد عليه بعد الاغضاء عن عدم مساعدة كلامه عليه وتسليم عدم وجوب كل لطف عليه تعالى ان اللّطف الذي ساقه المستدل لا يحوم حوله شائبة الندبيّة بل هو من الالطاف الواجبة حتى عند المجيب وكيف لا وقد بنى بنيان استدلاله
خزائن الأحكام — صفحة 105
مساهمون: آقا بن عابد الدربندي
ص١٠٥