لطفه في مثل هذا الباب إلى الظالم فهو لطف للظالم فالحاجة هناك في الحقيقة راجعة اليه لا إلى المظلوم فما يقال إنه لطف للمظلوم فإنما هو من قبيل المسامحات وهذا الذي قررنا انما هو بملاحظة الجهة المذكورة والا فإنه لطف لجميع المكلفين فافهم ولا تغفل والسادس كما أنه بيّن في محلّه دخول التخيير في اللطف كما في الواجبات التخييرية واشترط في ذلك حسن البدلين كذا بيّن وقرر فيه من مراعاة تحقق المناسبة بين اللطف والملطوف فيه فالمراد منها كون اللطف بحيث يكون حصوله داعيا إلى حصول الملطوف فيه إذ لولا كل لم يكن كونه لطفا أولى من كون غيره لطفا وأيضا لا يكون كونه لطفا في هذا الفعل أولى من كونه لطفا في غيره فيلزم الترجيح بلا مرجح على التقديرين بالنسبة إلى المنتسبين وكذا بين اشتراط ذلك بعلم المكلّف باللّطف وبالمناسبة بينه وبين الملطوف فيه إذ هذا مما يدعوا إلى الفعل وذلك اما بالاجمال ان كفى فيه والا فبالتفصيل والسّابع ان الأمراض والآلام والابتلاء ونحوها من الالطاف أيضا فقد قرر في محله ان الألم الذي يفعله اللّه ابتداء مشروط بالنفع والعوض للمتالم واللطف له أو لغيره لان خلوه عن اللّطف يستلزم العبث وعن النفع يستلزم الظلم وهما قبيحان على اللّه تعالى وبالجملة فالآلام الصّادرة منه تعالى في الدّنيا اما للمكلفين أو لغيرهم كالأطفال فلا بد من حسنها من امرين الأول العوض الزائد على الألم والثاني اشتمالها على اللّطف اما للمتالم كما في حقّ المكلفين فان الواحد منا إذا تألم رجع إلى اللّه تعالى وتلافى ذنوبه بالتوبة ويخرج إلى الناس من حقوقهم واما لغيره كما في حق الطفل فان هذا لطف للمكلفين في اجتناب المعاصي وبالجملة فهي أيضا مما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية نعم يجوز في المستحق كونه عقابا وقد يتمحّض هذا لذلك كما في الكفار والمنافقين وقد يكون ذا وجهين فت الثامن انه قد علم أن الغرض من التكليف هو التعريض للثواب وانه بدون اللطف مما هو نقض للغرض فيرتفع التكليف بارتفاع اللّطف فيقبح منه تعالى العقاب مع منعه اللطف دون الذم على القبائح ويدل على الأول بعد كونه على طبق القواعد العقلية قوله تعالى ولو انا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنبه تعالى شانه على انّ لهم الاحتجاج لو منعهم اللطف وهذا مما اذعن قاطبة تحقيقى المتكلمين من أصحابنا ولم يعهد مخالف منهم في ذلك نعم قد قال بعضهم بجواز التكليف وحسنه بدون اللّطف إذا كان فعل ما يكلّف من الطاعة يستحق عليه من الثواب اضعاف ما يستحق عليه مع وجود اللّطف فلازم هذا القول جواز العقاب بدون اللطف وهذا كما ترى يخالف القواعد العقلية وصريح الآية وهذا القول لم يكن في الأوائل مما يقول عليه نعم قد التزم وعوّل عليه غير واحد ممّن قاربنا عصرهم كما ستعرف ثم على البناء على ما هو المعظم يرتفع التكليف بارتفاع اللّطف إذا كان ارتفاع اللطف من قبله تعالى وليس كل إذا كان ارتفاعه والسّبب عليه ما هو من قبل المكلفين فلهذا لم يرتفع التكليف بارتفاع تصرف الامام الذي كان لطفا في باب التكليف إذ هذا من قبل المكلفين وهم السّبب في ذلك قطعا نعم كان التكليف مما يرتفع لو كان ما لا يتم اللطف المذكور إلا به مثل وجود الامام مرتفعا لان هذا مما يرجع إلى اللّه تعالى لا إلى المكلفين فبدون وجود الامام ع ما كان يتم عليهم الحجّة لأنهم قادرون على إزاحة العلل لظهوره فليس الغيبة مثل العدم ولا الظهور والاظهار مثل خلقه ابتداء حين الحاجة مع زوال العلة وارتفاعها وهذا ظاهر لا سترة فيه وإلى هذا يشير قول من قال وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر وعدمه منا فهو لطف في غيبته كما هو لطف في ظهوره فهو يحفظ الشرع وبمكانه يوثق بانّه لم يكتم من الشرع ما لم يصل الينا وبالجملة فمثل هذا أيضا من الالطاف بل نوع من التصرفات الالطافية في الجملة نعم قد فات التصرف اللطفى المزيح علل المكلّفين في باب التكليف بسبب من المكلفين الذي صار باعثا على خفائه بل وعدم ظهوره ثم اعلم أنه إذا كان شيء لطفا في باب التكاليف أو في تكليف منها فارتفع من قبل بعض المكلفين لزم ان يرتفع التكليف عمن ليس سببا لارتفاع اللّطف دون
من هو سبب فيه وهذا واضح على ما قرر فعدم سقوط التكليف عن الشّيعة في زمان الغيبة يكشف عن كون الشّيعة سببا للاستتار كالاعداء وهذا مما لا ضير فيه إذ الجهات مختلفة فبالظهور للاحباء والمخلصين يظهر امره للأعداء أيضا ويتطرقون إلى ايذائه وقتله وذلك ان الأحباء والمخلصين يظهرون هذا الامر لغاية فرحهم وكثرة سرورهم ويباشر بعضهم بعضا أو بطلبهم منه المعجزة حين ادّعائه الإمامة هذا وقد يقال إن وجه عدم ارتفاع التكليف عن الأحباء والمخلصين هو ما أشير اليه من عدم ارتفاع لطف الإمامة عنهم فلطفهم حاصل بالامام وان كان غائبا فان تجويزهم الظهور يخافون تأديبه وردعه وهذا كحفظه الشريعة لطف بل مما هو تصرف في الجملة كما أشير اليه وقد يقال إن علة الغيبة الأعداء خاصّة ومع هذا يلزم ان لا يسقط التكليف عن الأحباء إذ اللازم ارتفاعه وسقوطه لو كان ارتفاع اللّطف من قبله تعالى خاصّة وفيه ما لا يخفى ضعفه فت التاسع انه كما تجتمع أمور كثيرة على ملطوف فيه واحد فيصحّ ان يكون كلّ منهما لطفا فيه على سبيل التبادل كذا يصحّ ان يكون هذه الأمور من حيث هي الطافا في شيء واحد وكذا يصحّ ان يكون امر واحد لطفا في أمور متعدّدة ثم إنه كما يطلق اللطف على كل واحد حكم من الأمور المتواردة على شيء واحد توارد العلل الناقصة والأسباب والمقتضيات كذلك على معلول واحد كل بطلق على العلّة التامة مما من شانه إزاحة الاعذار والعلل للمكلفين عند العقلاء سواء كان شيئا واحدا أو أمورا مجتمعة أو امرا منتزعا بل اطلاق اللطف في ذلك أولى إذ عليه يناط الأمور وجودا وعدما وما له مدخلية في باب إزاحة الاعذار ولكن لا يكون بهذه المثابة يكون الاطلاق عليه من قبيل
خزائن الأحكام — صفحة 104
مساهمون: آقا بن عابد الدربندي
ص١٠٤