يكون الحكم الثابت بأحد الاستصحابين مزيلا للحكم المستصحب بالآخر وبالعكس وثانيهما ان يكون أحدهما كذلك دون الآخر واما ما لم يكن شيء منهما كذلك فهو خارج عن المبحث إذ لا تخالف بينهما فإن كان من القسم الأول فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان إلّا ان يكون لأحدهما مرجّح وان كان من القسم الثاني فيجب العمل باستصحاب حكم المزيل دون الآخر هذا فذلك هو تمام الكلام في الإشارة إلى الأقوال فاحفظه وسيأتي في تضاعيف المباحث الآتية ما يتعلّق بالمقام أيضا
المقام الثالث : في بيان الاستصحاب المزيل والمزال
المقام الثالث في الإشارة إلى بيان المزيل والمزال وبيان المزيلين وجملة من الأمثلة في الباب ليكون الخائض في الباب على ذرّية وبصيرة فاعلم أن المراد من الاستصحاب « 1 » في الامر الذي يكون الشك فيه سببا لحصول الشكّ في الامر الآخر من دون العكس وبالجملة فان كل امرين يكون الشك في أحدهما سببا لحصول الشك في الآخر بعد حصول اليقين فيهما من دون ان ينعكس فالاستصحاب الأول مزيل والثاني مزال ويقرب من ذلك التقرير ان يقال إن يكون الشك في بقاء أحد المستصحبين مسبّبا من الشّك في كون الآخر مزيلا له واما المزيلان فهما اللذان يكون الشك في كلّ منهما سببا للشك في الآخر ويقرب من ذلك ان يقال إن يكون الشكّ في بقاء كل واحد منهما اى من المستصحبين مسبّبا من الشك في كون الآخر مزيلا له ويمكن ان يرجع إلى ما ذكرنا ما ذكره البعض في بيان المراد من المزيل والمزال وبيان المزيلين حيث قال والمراد بكونه مزيلا له كونه مما جعله الشارع في الشرعيات أو الواضع في اللغويات أو العادة أو الحسّ أو العقل سببا وعلّة دافعة بلا واسطة بان يكون سببا لحكم آخر هو سبب ازالته فمثال ما فيه المزيلان كما إذا ورد عام وخاصّ متنافيا الظاهر فان اصالة عدم القرينة في الخاصّ سبب للحكم بإرادة الحقيقة وهو سبب لتخصيص العام واصالة عدم تخصيص العام سبب للحكم بإرادة العموم وهو سبب للتجوز في الخاصّ ان قلنا بكون العام صالحا لقرينة التجوز ومثال ما فيه المزيل أحدهما خاصّة مسئلة الصّيد فان عدم التذكية بعد ثبوته بالاستصحاب علّة لنجاسة الصّيد الواقع في الماء وهي مزيلة لطهارته بقول الشارع بخلاف طهارة الماء فإنه لم يدل دليل شرعي ولا غيره على انّ طهارة الماء الذي وقع فيه الصّيد علّة لتذكيته نعم ان الفرق بين ما ذكره هذا البعض وبين ما ذكرنا ونقلناه عن الأستاذ ره في الاستصحابين المزيل والمزال وفي الاستصحابين المزيلين انما يتحقق من وجه آخر كما ستطلع عليه في المقام الآتي وكيف كان فامثلة ما فيه المزيل والمزال في غاية الكثرة فيها في الثوب المسبوق بالنجاسة سواء كان الشك فيه حدوثيا اى في أصل حدوث غسل ذلك الثوب أو حادثيا بان تحقق الغسل ووقع الشك في كونه رافعا النجاسة الثوب وذلك حيث نشير ذلك الثوب مع الرّطوبة على موضع طاهر فالشك في بقاء طهارة ذلك الموضع مسبب من الشك في كون نجاسة الثوب مزيلة الطهارة ذلك الموضع ومنها ما يقع فيه الثوب المذكور في المثال في الماء القليل المقطوع طهارته ومنها ما يصل فيه الماء القليل المشكوك طهارته إلى موضع نجس من محل الاستنجاء وغيره ويزيل العين والتقريب في المثالين ظاهر ونظائر هذه الأمثلة فوق حدّ الاحصاء واما أمثلة ما يكون الاستصحابان فيه مزيلين فهي أيضا غير غريزة منها ما إذا كان ماء متنجسا واتّصل بكر طاهر والتقريب غير خفى فتأمل منها ما لو القى الكر على الماء القليل النجس القاء تدريجيّا فان الشك في بقاء نجاسة الماء المتنجّس وارتفاعها مسبّب من الشك في كون القاء الكر التدريجي مزيلا لها كما أن الشكّ في بقاء طهارة الكر وارتفاعها مسبّب من كون نجاسة الماء القليل يقتضى نجاسته ونجاسة ما يلاقيه مزيلا لها فاستصحاب نجاسة الماء القليل يقتضى نجاسته ونجاسة ما يلاقيه من الماء الكر التدريجي كما أن استصحاب طهارة الكر يقتضى طهارته وطهارة الماء القليل المتنجّس ثم إن من جملة أمثلة الباب ما إذا كان فيه طاهر بقدر الكر ثم نقص منه حتى حصل الشك في بقاء كرّيته ثم لاقاه نجس فاستصحاب كرّيته وطهارته يقتضى طهارته وطهارة ما لاقاه واستصحاب نجاسة ما لاقاه يقتضى بقاء نجاسته كما كان أولا وعدم طهارة الماء وعدم كونه كرا ومنها ما كان فيه ماء قليل كان مقطوع الطهارة ثمّ شك في طهارته وغسل به نجس فاستصحاب طهارته يقتضى طهارته وطهارة المغسول به واستصحاب نجاسة ما غسل به يقتضى بقاء نجاسته ونجاسة الماء والتعارض في هذين المثالين انما هو في موضوعين مختلفين ومنها أيضا ما كان فيه ماء قليل طاهر زيد عليه ماء آخر بالتدريج حتى حصل اليقين بصيرورته كرا ووجد فيه نجس وشك في انه هل وجد قبل صيرورته كرا أو بعده ثم فرض غسل نجس به فهاهنا تحقق تعارضان أحدهما في محلّ واحد والآخر في محلين
اما الأول فهو ان استصحاب طهارة الماء يقتضى بقاء طهارته واستصحاب عدم كرّيته وقت حصول النجاسة فيه يقتضى نجاسته واما الثاني فهو ان استصحاب طهارته يقتضى طهارته وطهارة ذلك النجس واستصحاب نجاسة ذلك النجس يقتضى نجاستهما وان فرض غسل ظاهر به يجرى فيهما أيضا مثل هذا التعارض إذ استصحاب عدم كرّيته حين وقوع النجاسة فيه يقتضى نجاسة الماء وما لاقاه واستصحاب طهارة ذلك الطاهر يقتضى طهارتها ومنها أيضا فيما إذا رمى صيدا بما يقتله فوقع الصّيد في الماء القليل فمات واشتبه استناد الموت إلى الماء أو إلى الجرح فاستصحاب طهارة الماء يقتضى طهارته وطهارة الصّيد المستلزمة لكون الموت مسبّبا عن الرمي واستصحاب حياته أو عدم حصول التذكية يقتضى كون موته بالفرق ونجاسته ونجاسة الماء وقد اجتمع هنا أيضا من وجه آخر استصحابان متعارضان فاستصحاب طهارة جلده يقتضى كون موته بالتذكية واستصحاب حياته يقتضى كونه حتف انفه ومنها مسئلة الجلد المطروح والتقريب غير خفى ومنها ما إذا لاقى كلب وقد علم أنه كان رطبا ثوبا يابسا إلى غير
هامش
( 1 ) المزيل الاستصحاب