تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزائن الأحكام — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
من متأخري الأخباريين « 1 » مما لا يضر فلا حاجة إلى الاحتجاج بأنه لولا التكليف بالفروع لزم تساوى قاتل النبي ص ومعينه من الكفار في العقاب ولا إلى الاحتجاج بأنه لا ريب في كون الكفار مكلّفين بالايمان الذي هو عبارة عن العقائد الحقة والاعمال على أنهما مما لا يخلو عن مناقشة وفيما يستقل به العقل من الفروع وقع النزاع من البعض أيضا واذعان البعض بالتكليف الابتدائي السّاذج دون التكليف الحقيقي أو الابتلائى المشوب بالتوطين مما فساده واضح وكيف كان فلازم قول الحنفية وجمع من الأخباريين حلية الخمر لهم بمعنى الإباحة الأصلية فهذا عجيب إذ كيف يزعمون ذلك وقد اخبر اللّه تعالى في قوله انهم لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله وشبهة ان تجويز ذلك مما يفضى إلى جواز التكليف بما لا يطاق بعد ملاحظة قاعدة جبّ الاسلام ما قبله قد مر الجواب عنها بعد بيان تقريبها في بعض مباحث هذا الكتاب على أن قاعدة الجبّ لا تتمشى في التكاليف المالية الصرفة ولا الموسعات من العبادات وقد يقال في رفع هذه الشبهة بان الفرق بين تعلق الحكم ما دام الوصف وتعلقه بشرط الوصف واضح فيرجع إلى الامر بالاسلام ثم العبادة وما يسقطه الاسلام تفضلا لا ينافي تعلق الامر به قبل حصوله فاسقاط القضاء ونحوه بالاسلام لكونه يجبّ ما قبله من عبادات مقضية وجنايات بدنية ومال مأخوذ في الحرب أو مط على وجه الغصبية وحدود وتعزيرات لا ينافي الامر قبله هذا وفيه ما فيه فتأمل وكيف كان فان فساد الاحتجاج بالأصول الاوّلية وبلزوم التكليف بما لا يطاق نظرا إلى جهلهم بهذه الأوامر والنواهي وبتخصيص الخطاب بالمؤمنين في كثير من الآيات وبمثل خبر طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة أبين من الشمس وفروع النزاع كثيرة فلازم القول الحق صحة إيلائهم وظهارهم وحرمة المتفاضل على وجه الرّبا وانهم يجدون في الزنا واللواط ونحوهما وان غاصب خمرا من ذمي لا يردها عليه ولا يضمنها إذا اتلفها ولا يجوز قبض ثمنها عن دين أو جزية عليه وغير ذلك

في بيان عدم اشتراط الايمان في التكليف بالفروع

وكيف كان فانّ اصالة اشتراط صحة العبادة بالاسلام والايمان مدركها جملة من الآيات والاخبار والاجماع نعم قد خصصت بالوقف والصّدقة والعتق عند من يقول بصحّتها من الكفار ويمكن ان يقال إن كونها صحيحة لا لأجل كونها عبادة بل لأجل كونها معاملة وفي ارتباط احدى الجهتين بالأخرى يكفى اعتقاد الكفار بالصّحة فيتمشّى قاعدة الزامهم بما الزموا به أنفسهم ثم إن اصالة عدم اشتراط الغرامات والضمانات لا بالايمان ولا الاسلام مما وجهه ظ وكذا الكلام في العقود والايقاعات والأسباب الفعلية وحرمة ذبايح الكفار كنفي السّبيل لهم عن المسلم مما دل عليه الدليل ثم إذا وقع الشك في كونه كافر أو مسلما مع عدم الاستقلال كما في اللقيط مع عدم امكان الحاقه بدار الالتقاط أو في غير ذلك أو مع امكانه ولكن قبل العلم فهل أصل في البين أم لا فما يصلح للاسلام قوله تعالى فطرة اللّه التي فطر الناس عليها بعد ملاحظة قوله تعالى في ذم الكفار فليغيرنّ خلق اللّه فالتقريب غير خفى والخبر المشهور بين الفريقين وهو قوله ص كل مولود يولد على الفطرة لكنه أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه الحديث والتقريب ظ فان قلت إن الآية والخبر من المتشابهات إذ ظاهرهما عدم تحقق مصداق للمرتد الملي فهذا كما ترى مخالف للنص والاجماع على أن مقتضى الأصل في مقام الشك هو الالحاق بالملى وان كان شرط كل من الملي والفطري من انعقاد نطفته حال كفر أبويه كما في الأول أو اسلام أحدهما كما في الثاني مما في محل الشك وذلك لملاحظة الأصل المتعلق بالاحكام المشكوكة للفطرى من قتله وقسمة ماله وزوال نكاحه وغير ذلك هذا مع أن الخبر غير منجبر فان ظ الأصحاب المشي على خلافه من تأسيس اصالة الكفر حتى يثبت الاسلام بأحد من الأمور الأربعة من الاقرار بالاستقلال وتبعيّة السابي وتبعيّة الأبوين بكونهما مسلمين عند انعقاده أو اسلامهما بعده وتبعية الدار كما في اللقيط فذلك كله مما يظهر من تتبع كلماتهم في جملة من أبواب الفقه من الجهاد واللقطة والميراث والحدود والارتداد قلت إن ما قرر في هذا الكلام مما ليس في محلّه فان الأصل عدم التشابه فان الفطري الذي يراد في المقام هو ما يولد على نهج يكون على نهجية الدّين فهذا يشمل الملي والفطري بالمعنى الاخصّ الذي عليه اصطلاح الفقهاء المأخوذ من الاخبار فلا مخالفة للنّصوص والاجماع مخالفة نبعت منها قضية التشابه في الآية والخبر على أن عدم جواز الاحتجاج انما هو قبل الاطلاع على النصّ في بيانه فمن تتبع الاخبار علم أن تأسيس الأصل بالآية والخبر مما لا ضير فيه ففي خبر وعن الحنيفية فقال هي الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبدين لخلق اللّه وفي آخر فطرهم على المعرفة وفي آخر قال « 1 » رسول اللّه ص كلّ مولود يولد على الفطرة يعنى على المعرفة بان اللّه عز وجل خالقه فذلك قوله عز وجل
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ *
وفي آخر ان اللّه تعالى خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون ايمانا بشريعة ولا كفرا بجحود ثم بعث اللّه الرّسل يدعون الينا إلى الايمان وفي آخر أفضل ما يتوسّل به المتوسّلون كلمة الاخلاص فإنها الفطرة وإقامة الصّلاة فإنها الملّة الحديث فاخبار الباب متقاربة متعانقة والتقريب غير خفى خصوصا إذا لوحظ احتجاج الامام ع بقول النّبى ص المشهور بين العامة والخاصّة الا ان تمام الانتساق وكمال الانتظام بينها بحمل ما فسر الفطرة فيه بالمعرفة بان اللّه عز وجل خالقه على ما فسرت هي فيه بكلمة الاخلاص الصادرة عن اتباع الشريعة الغراء المستلزمة للاقرار بما جاء به النّبى ص فذلك الحمل مما لا بد منه فيكون مال الفطرة في كلّ خبر وقعت إلى الدين فقوله ع عشرة من الفطرة فكما يمكن ان يحمل الفطرة فيه على سنن الأنبياء فكذا يمكن ان تحمل على الدّين ثم إن احتياج الخبر المشهور النبوي إلى ملاحظة نوع من العناية والتقدير فيه في قوله
هامش
( 1 ) والحنفية من العامة