والحاصل : أنّه لم تكن إرادة التشريع والتقنين سنخ آخر وراء إرادة التكوين بل هما مصداقاً حقيقة واحدة . إذا تمهّد لك ما ذكرنا فنقول :
قد يقال : إنّ الحكم عبارة عن الإرادة ، أو الإرادة المظهرة ، فيقال بأنّ اختلاف الوجوب والاستحباب إنّما هو بتحكّم الإرادة بإتيان الفعل في الواجب وعدم تحتّمها بإتيان الفعل في المستحب ، وكذا في الحرام والمكروه ؛ فإنّ الحرمة عبارة عن حتميّة إرادة الترك والكراهة عبارة عن عدمها .
وفيه : أنّ الذي يقتضيه الوجدان هو كون الحكم غير الإرادة ، وغير الإرادة المظهرة ، بل الإرادة من مبادئه ، وذلك لأنّه لو تصوّر المولى لإتيان عمله مصلحة ملزمة فيصدّق بفائدته ، فيريد إيجاب العمل على المكلّف فيبعث نحوه ، فالبعث هو الحكم والإرادة أو الإرادة المظهرة من مبادئه لا من مقدّماته .
فإذا لم تكن الإرادة من مقوّمات الحكم فلا معنى لامتياز الحكم الوجوبي عن الندبي ، بالإرادة ، وكذلك في الحرمة والكراهة .
ولعلّ منشأ توهّم ذلك خلط إرادة الفاعل بالنسبة إلى فعل نفسه بإرادة التشريع وقياس إحداهما بالأخرى ، مع أنّه مع الفارق ؛ لأنّ إرادة التشريع لا تتعلّق بإيجاد فعل العبد ؛ بداهة أنّ إيجاد فعله ، فعل اختياري له ، فكيف يريده الشارع .
مضافاً إلى أنّ لازم ذلك عدم انفكاك المراد عن إرادته تعالى إذا تعلّقت إرادته تعالى بإيجاد فعل أو ترك فعل آخر ، فليزم أن لا يكون على وجه الأرض عاصٍ أصلًا ، مع أن العصاة بمرأى منك ومسمع في الخارج .
فظهر ممّا ذكرنا : أنّ القول بأنّ الوجوب والاستحباب أو الحرمة والكراهة متمايزان بحتمية الإرادة وغيرها لا يرجع إلى محصل ؛ لأنّ لازمه امتياز أحد الشيئين عن الآخر بما لا يكون مفرّقاً بينهما .
جواهر الأصول تقرير لأبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 72
مساهمون: السيد محمد حسن المرتضوي اللنگرودى
ص٧٢