للأمر بالمهمّ ، وفي رتبة وجود الأمر بالمهمّ لا يكون اقتضاء للأمر بالأهمّ ؛ فلا مطاردة بين الأمرين ، بل كلّ يؤثّر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منهما ، ولا يقتضي كلّ من الأمرين إلقاء المكلّف فيما لا يطاق ، بل كلّ يقتضي موضوعاً لا يقتضي غيره خلافه « 1 » ، انتهى .
وفيه : أنّ هذا التقريب إجمال لما فصّله المحقّق النائيني قدس سره بعبارة أخرى ، فيتوجّه عليه بعض ما أوردناه على ما أفاده قدس سره ، بل لعلّ الإشكال عليه أوضح .
إجماله : أنّ عدم التنافي بين مقتضى الأمرين وإن كان مسلّماً ، إلّا أنّه ليس لأجل اختلاف الرتبة - كما هو مراد المستدلّ - بل لأجل أنّ فعلية أحد الأمرين - أعني المهمّ - في صورة سقوط الأمر الآخر ؛ أعني عصيان الأهمّ .
وذلك لأنّ كون شيء في رتبة والآخر في رتبة متأخّرة أو متقدّمة إنّما يتصوّر إذا كان الشيئان موجودين ، كالعلّة والمعلول ؛ فإنّ العقل بعد أن أدرك أنّ وجود المعلول نشأ وترشّح من العلّة فيحكم بأنّ رتبة العلّة متقدّمة على رتبة المعلول ، وأمّا فيما لم يكونا موجودين في زمان واحد ، أو كان أحدهما موجوداً دون الآخر - كما فيما نحن فيه - فلا يصحّ أن يقال باختلاف الرتبة إلّا بضرب من المسامحة .
وبالجملة : عدم المطاردة بين الأمرين مسلّم ، لكنّه ليس لأجل اختلاف الرتبتين مع وجودهما ، بل لأجل أنّ عصيان الأمر بالأهمّ شرط للتكليف بالمهمّ ، فقبل العصيان لم يكن هناك تكليف بالمهمّ ، وبعد العصيان لا يعقل أن يكون الأمر بالأهمّ موجوداً ؛ فلم يجتمع الأمران في زمان واحد حتّى يقال بتقدّم أحدهما وتأخّر الآخر .
هامش
( 1 ) - نهاية الدراية 2 : 218 .