وذلك لأنّ من يريد لقاء صديقه - مثلًا - يتصوّره ، ويصدّق بفائدته ، ويشتاق إليه ، ثمّ يريده ويتوجّه نحوه . وواضح : أنّه بعد ذلك لا يكون مشيه وحركاته إلى لقاء صديقه أفعالًا وحركاتٍ غير اختيارية ، بل يتصوّر ويصدّق بفائدة كلّ جزءٍ جزءٍ من أجزاء ما يوصله إلى لقائه ولو ارتكازاً .
وبالجملة : الوجدان أصدق شاهدٍ على أنّ كلّ ما يصدر من الشخص - مقدّمةً كانت أو ذيها - لا بدّ له من مبادئ ؛ فكلّ مقدّمة مرهونة بإرادتها ، بحيث لو لم يردها لا تكاد توجد . وليست معنى كون إرادة المقدّمة تابعة لإرادة ذيها أنّها معلولة له ، بل المقصود : أنّ الإرادة تتعلّق أوّلًا وبالذات بذيها ، ولأجل ذلك وبتبعه تتعلّق إرادة بمقدّمته . فغاية ما تقتضيه التبعية هي : أنّ المقدّمة لم تكن مطلوبة نفسية ، بخلاف ذيها ؛ فإنّه مطلوب نفسي .
فبعد ما تمهّد لك ما ذكر يظهر لك الضعف في كلام العلمين العراقي والنائيني 0 ، حيث قالا : إنّه لم تكن لإرادة المقدّمة مبادئ وغاية ، بل توجد قهراً من دون المبادئ .
هذا كلّه في الإرادة التكوينية . وكذلك في الإرادة التشريعية لا تتولّد إرادة إيجاب المقدّمة من إرادة إيجاب ذيها ، بل يتصوّر مبدئية نصب السلّم - مثلًا والتصديق بفائدته والاشتياق إليه ثمّ يريد البعث نحوه .
فتحصّل : أنّ في كلّ من قسمي الإرادة - التكوينية والتشريعية - تحتاج المقدّمة إلى المبادئ والغايات ، ولا يكون مقهوراً بإرادتها ، كما هو الشأن بالنسبة إلى ذي المقدّمة .
الأمر الثاني : أنّه فرق بين الإرادتين - التكوينية والتشريعية - من جهة أنّ الإرادة التكوينية إذا تعلّقت بإيجاد شيء خارجاً لا يمكن أن لا يريد مقدّماتها ، بل لا تنفكّ إرادتها عن إرادته ، لا بمعنى عدم الانفكاك عن علّته وكون إرادتها قهرية ، بل
جواهر الأصول تقرير لأبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 239
مساهمون: السيد محمد حسن المرتضوي اللنگرودى
ص٢٣٩