والثانية : العلّية الفاعلية ، وهي : أنّ إرادة ذي المقدّمة علّة لإرادة مقدّمته ، ومنها تنشأ وتترشّح عليها الإرادة .
والجهة الأولى مناط الغيرية ، والجهة الثانية مناط التبعية . ووجه الانفكاك بين الجهتين : أنّ ذات الواجب النفسي حيث إنّه مترتّب على الواجب الغيري فهي الغاية الحقيقية ، لكنّه ما لم يجب لا تجب المقدّمة ؛ فوجوب المقدّمة معلول خارجاً لوجوب ذيها ومتأخّر عنه رتبةً ، إلّا أنّ الغرض منه ترتّب ذيها عليها « 1 » ، انتهى .
وفيه - كما أشرنا آنفاً - : أنّ الأصالة والتبعية إنّما تعرضان على الواجب ، لا ما هو مقدّم عليه ، ولا بدّ من حفظ المقسم وبيان كيفية انشعابه إلى شعبتين . فتقسيم ما هو من مبادئه - أعني الإرادة - إلى ذينك القسمين ممّا لا وجه له .
اللهمّ إلّا أن يكون ذلك اصطلاح خاصّ منه ، فإذن لا مشاحة فيه . ولكن الظاهر : أنّه قدس سره بصدد بيان مراد القوم ؛ فما ذكره خلاف الظاهر ، هذا أوّلًا .
وثانياً : مراده من فاعلية إرادة ذي المقدّمة لإرادتها أحد أمرين : إمّا بالنسبة إلى وجودها ، أو بالنسبة إلى وجوبها ، لا سبيل للأوّل ، وإلّا يلزم عدم تحقّق العصيان والتخلّف أصلًا حتّى على إرادته من المكلّف بتوسّط إرادته أيضاً كما مرّ . وأمّا الثاني :
فلمّا كانت الإرادة من الأمور المرتبطة بمبادئها الخاصّة - التي ليست منها الإرادة الأخرى - فلا وجه لتولّدها منها وتوليدها إيّاها ؛ فلا علّية فاعلية لإرادة ذي المقدّمة بالنسبة إلى إرادتها .
وبالجملة - كما أشرنا غير مرّة - لا معنى لترشّح إرادة من إرادة أخرى ، كلّ منهما مستقلّة مغايرة للُاخرى وليست إحداهما علّة للُاخرى ، بل الفاعل للإرادة هي
هامش
( 1 ) - نهاية الدراية 2 : 156 - 158 .