ففيه : أنّه مصادرة وعين المدّعى . مضافاً إلى ما أشرنا إليه في معنى النفسية والغيرية ، حيث قلنا : إنّهما لم تكونا بلحاظ الغايات والأغراض ، بل الضابط فيهما هو أنّه لو أمر بشيءٍ لأن يتوصّل به إلى أمر آخر فوقه فهو أمر غيري كما إذا قال : « اذهب إلى السوق فاشتر اللحم » . وأمّا إذا أمر لا لذلك فلا يعدّ ذلك واجباً غيرياً ، بل يكون واجباً نفسياً ، وإن لم يكن هناك غرض مترتّب عليه ، مثل ما إذا قال : « اذهب إلى السوق » في المثال المذكور .
فترتّب الثواب والعقاب لا يدور مدار وجود الغرض في متعلّقه وخلوّه عنه ، بل - كما أشرنا - يدور مدار الإطاعة والعصيان ، وقد عرفت عدم إمكان الانبعاث بالأمر الغيري . وقد لا يكون في متعلّق بعض الأوامر مصلحة ، كالأوامر الامتحانية ، ومع ذلك يستحقّ المأمور المثوبة إن أطاع ، والعقوبة إن خالف .
وبالجملة : باب الأغراض خارجة عن حريم نزاع النفسية والغيرية ، والذي يقتضيه التحقيق ومطابق للوجدان في عدم استحقاق الثواب والعقاب في الواجبات الغيرية هو الذي ذكرنا ، فلاحظ وتدبّر .
توجيه لترتّب الثواب على الواجب الغيري ودفعه
ثمّ إنّ المحقّق العراقي قدس سره بعد أن اختار أنّ امتثال الواجبات الغيرية لا يستتبع ثواباً ، قال : يمكن تصوير ترتّب الثواب على موافقة الواجب بوجهين :
حاصل الوجه الأوّل هو : أنّ الآتي بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها يراه العرف والعقلاء متلبّساً بامتثال الواجب النفسي ، ومستحقّاً للمدح والثواب في ذاك الحين الذي لم يتلبّس بعد بالواجب النفسي ، كما أنّه لو لم يأت بشيء من مقدّماته في الوقت الذي يلزم الامتثال فيه يرونه متلبّساً بعصيانه ومستحقّاً للذمّ والعقاب في ذاك الحين ،