وبالجملة : لكلّ من الأعمال والملكات والعقائد في تلك النشأة صور غيبية لازمة لها تحشر الإنسان معها ، ولكن لا عرفان لنا بكيفيتها وحقيقتها ، نعم علمها عند اللَّه تعالى ومن خصّه من أوليائه .
فعلى هذا القول تكون نسبة التوبة إلى تلك الصور نسبة اللعان إلى نفي الولد ؛ فكما تنفي اللعان الولد شرعاً مع وجود مولود خارجاً ، فكذلك التوبة تنفي انتساب الصور القبيحة المجسّمة .
وقريب من هذا القول ما قد يقال : إنّ الإنسان بواسطة الأعمال وتحصيل الملكات والعقائد تحصل له قدرة في تلك النشأة يمكنه إيجاد ما يريده « 1 » . ولعلّه لذا قد ورد : أنّ بعد استقرار أهل الجنّة في الجنّة يحضرهم مكتوب قد رقم فيه : من الحيّ القيّوم الذي لا يموت إلى الحيّ القيّوم الذي لا يموت : إذا قلتُ لشيء كن فيكون ، فقل أنت ذلك فيكون « 2 » . هذا حال أهل الجنّة .
وهكذا حال أهل جهنّم ؛ فإنّه يحصل لهم قدرة كذلك ، ويكونون مجبولين على إيجاد صور فيتأذّون منها .
ولم يدلّ دليل على نفي هذه المَزعمة بأن لا يكون للأعمال والملكات والعقائد لوازم في تلك النشأة لا تنفكّ عن الإنسان ، ولا يكون للنفس اقتدار على إيجاد لوازمها وآثارها حسبما فصّل في محلّه ، بل في الآيات والروايات إشارات ، بل تصريحات إليها .
نعم ، لا يستفاد من الآيات والروايات انحصار الثواب والعقاب بما ذكر ؛ لصراحة دلالة ظواهر الأدلّة على غيرها أيضاً .
هامش
( 1 ) - انظر الحكمة المتعالية 9 : 43 - 44 ، علم اليقين 2 : 1059 - 1063 .
( 2 ) - راجع الفتوحات المكية 3 : 295 ، تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألهين : 366 ، علم اليقين 2 : 1061 .