الوجه الثاني : أنّ للأمر ظهوراً عرفياً في النفسية ، بتقريب أنّه كما إذا قال المولى : « أكرم العالم » ، وشكّ العبد في أنّ موضوع الحكم شيء آخر وأخذ عنوان العلم بلحاظ أنّه طريق إليه ، أو احتمل أنّه عنوان ملازم لما يكون موضوعاً للحكم ، فيقال : إنّ الظاهر عند العرف والعقلاء هو كون عنوان العلم تمام الموضوع للحكم ، لا طريقاً إلى ما يكون موضوعاً ولا ملازماً لما يكون موضوعاً له .
فكذلك يقال فيما نحن فيه : إذا أمر بشيء فعند فقد القرينة يرى العرف والعقلاء أنّه هو المطلوب ؛ وجب هناك شيء آخر أم لا ، وهذا معنى النفسية .
وبالجملة : كما يكون للعناوين المأخوذة في لسان الأدلّة ظهور في موضوعيتها للأحكام ، فكذلك لو امر بشيء يكون الظاهر منه عند العرف والعقلاء : أنّ المأمور به هو المطلوب والمحبوب لنفسه ولا ينقدح في ذهنهم كونه مطلوباً لأجل أمر آخر .
الوجه الثالث : أنّ المقام مقام احتجاج الموالي على العبيد وبالعكس ، بتقريب أنّ البعث المتعلّق بعنوان يكون حجّة على العبد والمولى ، يكون كلّ منهما مأخوذاً بذلك العنوان ، ولا يجوز تقاعد العبد عن امتثاله باحتمال كونه مقدّمة لغيره الذي لم يجب بعد .
وهذا مثل ما ذكرناه في إثبات التعبّدية في دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، فكما قلنا هناك : إنّه إذا قال المولى : « أكرم زيداً » مثلًا ، واحتمل عدم وجوبه تعييناً فلا يجوز للعبد ترك إكرام زيد وإكرام عمرو ، ولا يكون عند ذلك له حجّة على مولاه عند العرف والعقلاء ، بل لمولاه حجّة عليه ، فكذلك فيما نحن فيه يكون البعث المتعلّق على عنوانٍ حجّة على العبد ، ولا يرون العقلاء التقاعد عنه باحتمال كونه واجباً لأجل غيره .
وليعلم : أنّ غاية ما يقتضيه هذه الوجوه هي أن يتعامل مع البعث الكذائي معاملة الوجوب عند الشكّ ، ولكن لا يثبت بها الوجوب النفسي بخصوصه حتّى
جواهر الأصول تقرير لأبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 137
مساهمون: السيد محمد حسن المرتضوي اللنگرودى
ص١٣٧