نعم ، لو كانت الأمارة من الظنون العقلائية الكاشفة عن الواقع - كخبر الثقة - فمثبتاتها حجّة ، فلم يثبت حجّية مثبتات الأصول مطلقاً ، وسيوافيك تفصيله في محلّه .
وبالجملة : غاية ما يستفاد من الإطلاق ويصحّ الاحتجاج عليه لذلك الحكم ، هي نفس ذلك الشيء ليس إلّا ، وإلّا لبيّنه . وأمّا إثبات لوازمه العقلية أو العادية فلا ، فتدبّر .
الوجه المختار في الحمل على النفسية
هذا حال ما تقدّم من الوجوه التي ذكروها للحمل على النفسية عند الدوران ، وأمّا الوجه المختار فيمكن تقريبه بأحد الوجوه :
الوجه الأوّل : انصراف الهيئة إلى الوجوب النفسي في محيط العرف والشرع ، والانصراف المقصود به هنا ليس انصراف الكلّي والطبيعي إلى أفراده ومصاديقه ؛ لما عرفت أنّ الهيئة معناها حرفي جزئي ، فلا تكاد تستعمل إلّا في نفس البعث والإغراء النفسي أو الغيري ، بل المراد من الانصراف هو أكثرية استعمال الهيئة في النفسي بالنسبة إلى استعمالها في المعنى الغيري ، فلو شكّ في مورد أنّه نفسي أو غيري فالاعتبار يساعد حمله على النفسي ؛ لأنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب .
وبالجملة : الهيئة وضعت للبعث والإغراء ، والنفسية والغيرية خارجتان عن الموضوع له ، نظير الإشارة ؛ فكما أنّها آلة للإيجاد تكويناً ، فكذلك الأمر في عالم الاعتبار . ولكن حيث إنّ المبعوث إليه على قسمين : قسم يكون مطلوباً نفسياً ، وقسم آخر يكون مطلوباً غيرياً .
واستعمال البعث إلى ما يكون مطلوباً نفسياً كثير ، بخلاف البعث إلى ما يكون مطلوباً غيرياً ؛ فإنّه قليل . فبمجرّد انقداح البعث في الذهن يتوجّه الذهن إلى ما يكون معروفاً - وهي النفسية - إلى أن يثبت خلافه .