فهي ليست بصدد بيان شرطية عرفان جميع الأحكام أو بعضها ، بل الغرض بعث الشيعة إلى من عرف أحكامهم وحلالهم وحرامهم ، وردعهم عن المنحرفين عن بابهم عليهم السلام المفتين بآرائهم وأقيستهم واجتهاداتهم . فورود الجملة في هذا المقام يمنع عن الاعتماد على هذا العموم .
على أنّ قوله :
« عرف أحكامنا »
صادق عرفاً على من وقف على مقدار يعتدّ به من أحكامهم في رفع الخصومات ، ولا يحتاج صدقه إلى وقوفه على كافّة ما يحتاج إليه الامّة في شرائع دينهم .
وقد مرّ أنّ المراد من قوله :
« روى حديثنا »
ليس هو رواية الحديث إلى الغير ؛ ضرورة عدم دخالة هذا القيد ، بل هو كناية عن العلم بفتاوى الأئمّة وأحكامهم ؛ لأنّ الإفتاء في الأجيال الماضية كانت بصورة نقل متن الرواية التي سمعها عن إمامه أو شيخه الذي أخذها من الإمام .
الثاني : أنّ المعرفة الفعلية لتمام الأحكام لا يحصل لغير النبي والإمام عادة ، فالحمل عليها يوجب لغوية هذا الجعل ، وحملها على قوّة استنباط جميع الأحكام ليس أولى من حملها على المعرفة الفعلية لما يليه من الشؤون ، أو معرفته بمقدار معتدّ به ؛ بحيث يصدق في حقّه أنّه عارف بأحكامهم .
الثالث : لو سلّم إمكان معرفة عامّة الأحكام فعلًا فلا طريق للمترافعين إلى عرفان هذا الشخص ، فلا معنى لجعل المنصب على من لا طريق إلى معرفته ، فلا بدّ أن يحمل على معرفة الفعلية على الوجه المعتدّ به في أمور القضاء والحكومة ؛ بحيث يصدق في حقّه الجمل المتعاطفة :
« روى حديثنا . . . »
إلى آخره . وعلى ذلك يحمل ما في صحيحة أبي خديجة ، كما سيوافيك بيانه « 1 »
هامش
( 1 ) - يأتي في الصفحة 590 .