لبيان الحكم النفس الأمري ؛ ولو بمعونة ما جعله الإمام مقياساً لمعرفته ؛ من الرجوع إلى الكتاب والسنّة وفتاوى العامّة . وعرفان الأحكام بهذا المعنى لا يقوم به إلّا الفقيه لا العامّي ، ولا يتحمّلها من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد .
ومنها : قوله « وكلاهما اختلفا في حديثكم » ؛ فإنّ الظاهر هو الاختلاف في مفاد الحديث ومعناه لا في نقله ؛ بأن يروي كلّ واحد غير ما ينقله الآخر . فلو سلّم فالاختلاف الناشئ من هذه الناحية ربّما يكون من أجل تسليم إحدى الروايتين وردّ الأخرى ؛ لخلل في سنده أو جهة صدوره ، وليس هذا إلّا شأن الفقيه لا العامّي .
ومنها : قوله عليه السلام في مقام ترجيح أحد الحكمين على الآخر :
« الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما » ،
وقوله فيما بعد : « أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة . . . » إلى آخره ، فإنّ ظاهره مفروغية كون القاضي والحاكم فقيهاً ، ولا شكّ في عدم صدق الفقاهة أو الأفقهية على العامّي .
ثمّ إنّه كما يستفاد من الرواية جعل منصب القضاء للفقيه ، كذلك يستفاد جعل منصب الحكومة والولاية له أيضاً ؛ إذ أيّ جملة يكون أصرح من
قوله عليه السلام : « فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً » ،
والحكومة لغة وعرفاً أعمّ من القضاء المصطلح ، بل القضاء من شؤون الحاكم .
ودعوى الانصراف إلى الحكم بمعنى القضاء وفصل الخصومة عند رفع الرافع غير مسموعة ؛ إذ لا وجه للانصراف .
فالفقيه كما هو منصوب من ناحيتهم للقضاء وفصل الخصومات منصوب للولاية والحكومة فيما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم ومعاشهم ، ويرتبط بإصلاح حالهم وتنظيم سياساتهم الدينية . وكون الكبرى الكلّية وارداً في مورد القضاء لا يصير مخصّصاً كما لا يخفى .
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 584
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٨٤