الرفع بقول مطلق ؛ بأن يجوز لهم الإعراض عن سماع قول الأنبياء وترك التعلّم والتفحّص عن أحكامه وشريعته ؛ حتّى يتنزّلوا منزلة البهائم والمجانين ؟ حاشا وكلّا !
وإن أبيت عن ذلك كلّه - لأجل وضوح كثير من الأحكام - فلا مانع من جريان البراءة في الباقي : فلا أقلّ من انصراف أدلّتها عمّا قبل الفحص .
الثاني - وهو الموافق للتحقيق - أنّ المراد من عدم العلم المأخوذ موضوعاً في لسان أدلّتها ليس العلم الوجداني حتّى يكون تقديم أدلّة الأمارات والأصول الحاكمة عليها من باب التخصيص ؛ لاستهجان ذلك التخصيص الكثير ، بل لا يخلو عن استهجان ؛ ولو كان بنحو الحكومة أيضاً .
بل المراد من العلم هو الحجّة ، ومفادها : أنّه رفع عمّا لا حجّة عليه .
وسيوافيك في مبحث الاستصحاب : أنّ إطلاق العلم واليقين بهذا المعنى كثير في الأخبار « 1 » . ومن المعلوم : أنّ الحجّة موجودة في الكتاب والسنّة ، وقد قامت الحجّة على كثير من الأحكام ، ووصلت إلينا وصولًا متعارفاً ، فمع عدم الفحص يشكّ في تحقّق ما هو موضوع البراءة .
وإن أبيت : فلاحظ لسان أدلّتها ؛ فإنّ قوله تعالى :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
« 2 » من أدلّة البراءة ، وأوضحنا مفاده « 3 » ، وهو كما ترى جعل بعث الرسول غايةً لرفع التعذيب .
وقد عرفت أنّ المراد - ولو بمعونة مناسبة الحكم والموضوع - من بعثه هو تبليغ أحكامه وإيصال شريعته على النحو الدائر بين العقلاء ، فيدلّ أنّه
هامش
( 1 ) - الاستصحاب ، الإمام الخميني قدس سره : 81 - 82 و 239 و 241 - 242 .
( 2 ) - الإسراء ( 17 ) : 15 .
( 3 ) - تقدّم في الصفحة 15 .