وثانياً : أنّ جعل الجهالة بمعنى السفاهة أو ما لا ينبغي الركون إليه كما أوضحه - تبعاً للشيخ الأعظم « 1 » - غير وجيه ، بل المراد منها عدم العلم بالواقع .
ويدلّ عليه جعلها مقابلًا للتبيّن ؛ بمعنى تحصيل العلم وإحراز الواقع ، ومعلوم أنّ الجهالة بهذا المعنى مشترك بين خبري العادل والفاسق .
بل لا يبعد أن يقال : إنّ الآية ليست بصدد بيان أنّ خبر الفاسق لا يعتنى به ؛ لأنّ مناسبات صدرها وذيلها وتعليلها موجبة لظهورها في أنّ النبأ الذي له خطر عظيم وترتيب الأثر عليه موجب لمفاسد عظيمة والندامة - كإصابة قوم ومقاتلتهم - لا بدّ من تبيّنه والعلم بمفاده ، ولا يجوز الإقدام على طبقه بلا تحصيل العلم ؛ لا سيّما إذا جاء به فاسق .
فحينئذٍ : لا بدّ من إبقاء ظاهر الآية على حاله ؛ فإنّ الظاهر من التبيين طلب الوضوح وتحقيق صدق الخبر وكذبه ، كما أنّ المراد من الجهالة ضدّ التبيين ؛ أعني عدم العلم بالواقع لا السفاهة ؛ ولو فرض أنّها إحدى معانيها ، مع إمكان منعه ؛ لعدم ذكرها في جملة معانيها في المعاجم ومصادر اللغة .
ويمكن أن يكون إطلاقها - كما في بعض كتب اللغة « 2 » - لكونها نحو جهالة ؛ فإنّ السفيه جاهل بعواقب الأمور ، لا أنّها بعنوانها معناها .
ثمّ إنّه على ما ذكرناه في معنى الآية لا تلزم فيها التخصيصات الكثيرة ، على فرض حملها على العلم الوجداني - كما قيل بلزومها « 3 » - فتدبّر جيّداً .
هامش
( 1 ) - انظر فرائد الأصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24 : 261 .
( 2 ) - انظر المصباح المنير : 113 .
( 3 ) - نهاية الأفكار 3 : 115 .