المقدّمة الخامسة :
كلّ حكم كلّي قانوني فهو خطاب واحد متعلّق لعامّة المكلّفين ، بلا تعدّد ولا تكثّر في ناحية الخطاب ، بل التعدّد والكثرة في ناحية المتعلّق .
ويشهد عليه وجدان الشخص في خطاباته ؛ فإنّ الشخص إذا دعا قومه لإنجاز عمل أو رفع بلية فهو بخطاب واحد يدعو الجميع إلى ما رامه ، لا أنّه يدعو كلّ واحد بخطاب مستقلّ ؛ ولو انحلالًا ؛ للغوية ذلك بعد كفاية الخطاب الواحد بلا تشبّث بالانحلال .
وما اشتهر من انحلال الخطاب الواحد إلى الخطابات حسب عدد المكلّفين غير تامّ ؛ لأنّ ملاك الانحلال في الإخبار والإنشاء واحد ، فلو قلنا بالانحلال في الثاني لزم القول به في الأوّل أيضاً ، مع أنّهم لا يلتزمون به ، وإلّا يلزم أن يكون الخبر الواحد الكاذب أكاذيب في متن الواقع .
وعليه : لو قال قائل بأنّ النار باردة فقد كذب بعدّة أفراد النار ، وهو رأي عازب أو قول كاذب ، لا يلتزم به ذو مسكة .
فتحصّل ممّا ذكر : أنّه لا ينحلّ الخطاب إلى خطابات ؛ بحيث يكون كلّ واحد مورداً لخطاب خاصّ .
وأمّا الميزان في صحّة الخطاب الكلّي فهو إمكان انبعاث عدّة من المخاطبين بهذا الخطاب ، لا انبعاث كلّ واحد منهم ؛ لبطلان القول بالانحلال .
والسرّ في ذلك : أنّ أمر الآمر إذا كان لداعي الانبعاث - وإن كان الانبعاث مستنداً لمبادئ آخر ؛ من الخوف والطمع أيضاً - يصحّ الخطاب به مولوياً عند العقلاء لو قام بامتثاله طائفة من المأمورين ، كما يستهجن لو علم الآمر عدم انبعاث واحد منهم .