مطلوبيّته له في صورة المخالفة أيضاً ، لكن يلزم رفع اليد عنها في هذه الصورة ؛ في تلك الحال حيث إنّه لا سبيل له سوى ذلك ، نظير رفع اليد عن وجوب إنقاذ أحد الغريقين ، مع بقاء مطلوبيّته وبقاء مصلحته ؛ حيث لا محيص عنه ، ولذا لو تمكّن بعد ذلك من إنقاذه وجب ، ومقتضى ذلك هو وجوب الإعادة أو القضاء ؛ والإتيان بالتكليف الواقعي عند انكشاف الخلاف .
الوجه الثاني : أنّ الظاهر من الأدلّة الدالّة على اعتبار الأمارات - تأسيساً أو إمضاءً - هو الإجزاء ، فإنّ لسانها كلسان أدلّة الأصول ، فكما أنّ مفاد أدلّة الأصول هو ترتيب آثار الطهارة والحلّيّة على مؤدّاها ، كذلك أدلّة اعتبار الأمارات ، فإنّ إيجاب العمل بها وإن كان طريقيّاً ، لكن مرجعه إلى إيجاب المعاملة معها معاملة الواقع ، وأنّ كيفية العمل بالعبادة هو ما أدّت إليه الأمارة ، فلو قامت الأمارة المعتبرة على عدم مانعيّة لبس غير المأكول لحمه ، فمرجع إيجاب العمل بها عدم مانعيّة ذلك في الصلاة واقعاً تعبّداً ، وأنّ الصلاة معه مصداق تعبّديّ لها .
أقول : لو فرض ورود دليل تعبّديّ شرعيّ دالّ على إيجاب العمل بأمارة - مثل خبر الثقة - مثلًا تأسيساً ، فالمتبادر منه - في المحيط الذي لا يكون اعتباره فيه ، إلّا لأجل أنّه كاشف عن الواقع ولو كشفاً ناقصاً - هو أنّ اعتباره وإيجاب العمل به من الشارع ، إنّما هو لجهة كشفه عن الواقع وحيثيّة طريقيّته إليه ، لأجل تحصيله ، لا أنّه تصرّفٌ في الواقع وتبديل له عمّا هو عليه ، أو لأنّه تعبّد محض ، وحينئذٍ فمع كشف الخلاف فالواقع باقٍ على ما هو عليه ، ومقتضاه الإعادة أو القضاء ووجوب الإتيان به ، وهو المراد من عدم الإجزاء في المقام . هذا بحسب الفرض .
لكن تقدّم مراراً : أنّه ليس في الأدلّة الشرعيّة والأخبار ، ما يدلّ على حجّيّة مثل خبر الواحد تأسيساً ، بل ليس مفادها إلّا إمضاء طريقة العقلاء وبنائهم على العمل به ، وأنّ مثل قوله عليهم السلام : « فلان ثقة » لا يدلّ على التأسيس ، وآية النبأ وأمثالها
تنقيح الأصول تقرير أبحاث السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 693
مساهمون: الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي
ص٦٩٣