وجود الاختلاف الشديد بين آرائهم وعدمه ، ولكنّه خلاف التحقيق .
وهذه الشبهة لا ترتفع إلّا بإثبات الأمر الثاني المتقدّم ، وهو إثبات رضا الشارع وإمضائه لرجوع العوامّ إلى المجتهدين في زمان الغيبة في تلقّي الأحكام منهم ، مع شدّة احتياجهم إليه ، وعلمهم عليهم السلام بابتلاء الناس بزمان الغيبة ، وأنّه بعد الغيبة وختم الولاية الظاهريّة يتحقّق الاختلاف الشديد بينهم ، طبعاً يقطع بذلك من تأمّل وتدبّر في ذلك ؛ من دون احتياج إلى العلم بالغيب ، وحينئذٍ فمع وضوح أداء الأمر إلى ذلك ، وعلمهم عليهم السلام بذلك ، وتحقّق بناء العقلاء في جميع الأعصار على رجوع الجاهل إلى العالم ، فعدم ردعهم عنه كافٍ في الإمضاء ، وكاشف عن أنّ رجوع العوامّ إلى المجتهدين في ذلك الزمان مرضيّ لديهم ، وإلّا وجب عليهم الردع .
وأمّا ما ذكره شيخنا الحائري قدس سره في دفع الشبهة بأنّ للأحكام مراتب : الواقعيّة الأوّليّة ، والواقعيّة الثانويّة ، والأحكام الظاهريّة ، والمطلوب في مقام الاحتجاج هي الأحكام الظاهريّة ؛ لأنّ المقصود هو التخلّص من العقاب ، والفقهاء كلّهم مصيبون فيها وإن كثر الاختلاف بينهم جدّاً « 1 » .
ففيه : أنّه إنّما يصحّ بالنسبة إلى وظيفة المجتهد نفسه ، لا بالنسبة إلى مقلّده العامّي ، فإنّ المجتهد معذور لو خالف نظره الواقع ، وأدّى إلى خلافه ؛ لو استفرغ وسعه وبذل جهده في مقام الاستنباط ، وأمّا العامّي فاللّازم عليه : إمّا العمل بالواقع ، وإمّا بما هو عذر ، ومجرّد معذوريّة الفقيه لنفسه لا يستلزم معذوريّة الجاهل المقلِّد له .
وكذلك ما أفاده في دفعها : من أنّ خطأ المجتهدين في الآراء والأنظار وإن كان كثيراً في نفسه ، لكنّه بالنسبة إلى موارد الإصابة في غاية القلّة ؛ بحيث يكون احتمال الخلاف والخطأ عند العقلاء في كلّ مورد مُلغى « 2 » .
هامش
( 1 ) - البيع ، الشيخ الأراكي 2 : 411 - 412 .
( 2 ) - نفس المصدر .