والحقّ : أنّ هذه الرواية غير مرتبطة بالمقام ؛ سواء قلنا : إنّ المفروض فيها صدراً وذيلًا تعارض الحكمين واختلافهما ، كما هو الظاهر من الرواية ، أم قلنا : إنّ ذيلها في مقام تعارض الخبرين .
أمّا بالنسبة إلى الأعدليّة والأصدقيّة والأفقهيّة فواضح ؛ لما عرفت من أنّها من مرجِّحات الحكَمين ، كما جاء في صدر الرواية المذكورة ، الذي هو مورد سؤال الراوي ومحلّ حاجته ، لا من مرجّحات الروايتين المتعارضتين ، وكذلك بالنسبة إلى الشهرة ؛ بناءً على ما استظهرناه : من أنّ الرواية ليست في مقام علاج تعارض الخبرين ، وكذلك بناءً على أنّ ذيلها في مقام علاج تعارض الخبرين ؛ وذلك لأنّ ترجيح أحد المتعارضين ، إنّما هو فيما لو كان كلّ واحد من المتعارضين حجّة في نفسه ؛ مع قطع النظر عن ابتلائه بالمعارض ، وأمّا مع عدم صلاحيّة أحد الخبرين للحجّيّة كذلك ، فهو خارج عن باب ترجيح أحد المتعارضين ، وحينئذٍ فالحكم بالأخذ بالآخر بإحدى الجهات ، إنّما هو من باب تمييز الحجّة عن اللّاحجّة .
ثمّ إنّه لا ريب في أنّ المراد بالشهرة في الرواية ، هي الشهرة الفتوائيّة لا الروائيّة ؛ وذلك لأنّه لو فرض نقل جميع الفقهاء والرواة لرواية ، لكن لم يعمل ولم يُفتِ أحد منهم بمضمونها ، كما لو فرض نقلهم روايات كثيرة في طهارة أهل الكتاب ، وروى واحد أو اثنان ما يدلّ على نجاستهم ، وكان عمل الجميع - أو المشهور - على وفق هذه طَبقاً عن طَبَق ، دون الروايات الكثيرة الأولى ، فلا إشكال في أنّ العمل طِبْق الروايات الأولى بيِّن الغيّ ، ولا ريب في غيّها ، لا أنّ فيها الريب فقط ؛ وإن اشتهر نقلها ، وكثر ناقلها ، لكن تركهم العمل بمضمونها يكشف عن خللٍ فيها ، فهي من الشاذّ ، كما أنّ المجمع على الفتوى بمضمونه بيّن الرشد ، ولا ريب فيه ، وهو المطلوب .
ويؤيّد ذلك قوله عليه السلام :
( إنّما الأمور ثلاثة )
: واحد منها مأمور بالأخذ به ، وهو المجمع عليه بين الأصحاب ؛ أي في مقام الفتوى والعمل ، والآخر مأمور بالاجتناب
تنقيح الأصول تقرير أبحاث السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 557
مساهمون: الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي
ص٥٥٧