وجوب الاجتناب عنه إنّما هو لأجل أنّه من أحد أطراف العلم الإجمالي .
فالأمر في صورة الشكّ المذكور دائر بين أن يكون هناك علم إجماليّ واحد بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف - على فرض أنّ نجاسة الملاقي - بالكسر - ليست نجاسة أخرى لها حكم مستقلّ - وبين أن يكون هناك علمان إجماليان أحدهما بين الملاقى - بالفتح - والطرف ، والثاني بين الملاقي - بالكسر - أو الطرف على فرض أن يكون لملاقي النجس حكمٌ آخر بوجوب الاجتناب مستقلّاً ، وعلى هذا الفرض فالعلم الإجمالي الثاني غير مؤثّر في التنجيز ، كما تقدّم الكلام فيه .
وحيث يشكّ أنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - على هذا النحو أو ذاك فلا حجّة فيه تقتضي وجوب الاجتناب عنه ؛ لعدم تأثير العلم الإجمالي الثاني على التقدير الثاني ، فلا إشكال في جريان البراءة العقليّة والنقليّة فيه .
ومن هنا ظهر الإشكال فيما ذكره المحقّقان النائيني « 1 » والعراقي « 2 » في المقام : من وجوب الاحتياط وعدم جريان البراءة العقليّة والنقليّة ؛ حيث قال الميرزا النائيني قدس سره : إنّه بناءً على أنّ تأثير العلم الإجمالي بنحو الاقتضاء لا تجري البراءتان :
أمّا الشرعيّة فلأنّها فرع سببيّة الشكّ في الملاقى - بالفتح - للشكّ في نجاسة الملاقي - بالكسر - لتجري فيه بعد تعارضهما في الملاقى - بالفتح - والطرف ، وحيث إنّه لم يحرز ذلك ؛ لاحتمال وحدة نجاسة الملاقي والملاقى وعدم تعدّدهما ، وأنّ لهما حكماً واحداً ، فلا مجال لجريانها في الملاقي بالكسر .
وأمّا البراءة العقليّة فلأنّها فرع انحلال العلم الإجمالي ، وحيث إنّه لم يحرز ذلك فلا مجال لجريانها فيه أيضاً ؛ لأنّ الانحلال موقوف على أن تكون نجاسة الملاقي - بالكسر - نجاسة أخرى لها حكم مستقلّ بوجوب الاجتناب .
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول 4 : 89 - 93 .
( 2 ) - نهاية الأفكار 3 : 358 .