وجعلوا الشرطيّة في مقابل البتّيّة « 1 » ، ولا تنحلّ القضايا الحقيقيّة إلى الشرطيّة ، وليس ذلك مقصوداً ومراداً للمحقّقين من المنطقيّين أيضاً .
وبالجملة : لا فرق بين القضيّة الحقيقيّة والخارجيّة في أنّ كلّ واحدة منهما من القضايا البتّيّة لا الشرطيّة ، بل الفرق بينهما إنّما هو في أنّ الموضوع في الحقيقيّة جُعِل بنحوٍ لا تنحصر أفراده في الأفراد الموجودة بالفعل فقط ، بل الأعمّ من الموجودة المحقّقة والمقدّرة ؛ وأنّ المراد كلّما لو وجد فرد منه ولو بعد أزمنة كثيرة ينطبق عليه ذلك الموضوع ، ويترتّب عليه الحكم ، مثل « النار حارّة » ، ومثل
« لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا »
« 2 » ، فمتى تحقّق عنوان المستطيع إلى يوم القيامة ، ووجد فرد منه ، وصدق عليه عنوانه ، يترتّب عليه وجوب الحجّ ، فحيث إنّ الموضوع فيها كذلك قالوا : إنّها في قوّة قضيّة شرطيّة ، لا إنّها قضيّة شرطيّة حقيقة ، بخلاف القضايا الخارجيّة ، فإنّ الموضوع فيها عنوان لا ينطبق إلّا على الأفراد الموجودة المحقّقة خارجاً بالفعل فقط ، مثل : « قُتل مَن في العسكر » .
فما ذكره قدس سره من الوجه لجريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة لا يخلو عن الإشكال ، بل الوجه فيه ما ذكرناه .
هذا كلّه فيما لو تعلّق الحكم بالأفراد بنحو الاستغراق .
وأمّا لو تعلّق بمجموع الأفراد فلا ريب في أنّ الامتثال في مثل « أكرم مجموع العلماء » إنّما يتحقّق بإكرامهم جميعاً ؛ بحيث لو ترك واحداً منهم لمّا حصل الامتثال أصلًا وإن أكرم الباقين منهم ، ويتحقّق العصيان بذلك ، ومع إكرام جميعهم يترتّب عليه مثوبة واحدة .
وهذا ممّا لا إشكال فيه .
هامش
( 1 ) - شرح المنظومة ( قسم المنطق ) : 46 و 50 .
( 2 ) - آل عمران ( 3 ) : 97 .