ذلك من بيان أنّ هذا الفرد عالم ، أوليس بعالم ، ولا مؤمّن من العقوبة فيه عقلًا « 1 » .
وفيه : أنّ البيان الكلّي وإن كان صادراً قطعاً ، لكن المفروض أنّ الحكم متعلّق بكلّ فرد فردٍ ، غاية الأمر أنّه ليس بنحو التفصيل ؛ بأن يقول : « أكرم زيداً وأكرم عمراً » وهكذا ، بل بنحو الإجمال بقوله : « أكرم كلّ عالم » ، فكما إذا لم يعلم بتعلّق وجوب الإكرام بزيد في الأوّل - أي إذا تعلّق الحكم بكلّ فرد فرد بنحو التفصيل - لا يجب إكرامه لجريان قاعدة القبح ، كذلك فيما لو صدر الحكم بنحو الإجمال والكلّي الاستغراقي ؛ لعدم الفرق بين الصورتين إلّا بالإجمال والتفصيل .
لا أقول : إنّ الحكم متعلّق بالأفراد المعلومة ، بل أقول : إنّه متعلّق بالأفراد الواقعيّة للعلماء ، لكن العقاب على المشكوك عالميّته منها عقاب بلا حجّة وبيان ، فلا إشكال في جريان البراءة العقليّة في الفرد المشكوك .
فإن قلت : مقتضى ذلك البيان جواز التمسُّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة للمخصّص ، كما لو قال : « أكرم العلماء ، ولا تكرم الفسّاق منهم » ، وشكّ في أنّ زيداً العالم فاسق أو لا بنحو الشبهة الموضوعيّة ، فلم تعلم حرمة إكرام زيد ، والمفروض أنّه عالم ، فيتمسّك بأكرم العلماء في وجوب إكرامه .
قلت : الحكم بعدم جواز التمسُّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة للمخصِّص ، ليس لأجل عدم جريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة ؛ ليرد ما ذكر ، بل إنّما هو لأجل ما ذكرناه في محلّه : من أنّه يعتبر في جواز التمسّك بالظواهر - مضافاً إلى الصدور والظهور وحجّيّتها - إحراز تطابق الإرادة الجدّيّة مع الإرادة الاستعماليّة ، وزيد في المثال المذكور وإن كان من المصاديق المشتبهة للمخصِّص ، فليس المخصِّص حجّة فيه ، ولكن لا يجوز التمسّك بالعامّ - أيضاً - لعدم إحراز تطابق الجدّ والاستعمال فيه .
هامش
( 1 ) - انظر نهاية التقرير 1 : 174 - 178 .