ولا يخفى أنّ هذه الروايات على البراءة أدلّ ؛ حيث إنّها تدلّ على أنّ للورع مراتب ، وأنّ الواجد لأعلاها من اتّقى الشبهات - أيضاً - فلا يُنافي ارتكابها أصل الورع وإن لم يكن أورع فتدلّ على استحباب اتّقاء الشبهات ، مضافاً إلى ترك المحرّمات ، بل هي مفسِّرة لسائر الأخبار التي تقرب منها في المضمون .
ومنها :
ما عن الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسيره الصغير ، قال في الحديث : ( دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك فإنّك لن تجد فقد شيءٍ تركته للَّه عزّ وجلّ )
« 1 » .
ومنها :
ما عن محمّد بن مكّي الشهيد في الذكرى قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : ( دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك )
« 2 » .
وفي هذه الروايات ثلاث احتمالات :
الأوّل : أنّ المراد أنّه إذا دار الأمر بين ما يُريبك وبين ما لا يُريبك - أي :
ارتكاب أمرٍ فيه ريب وارتكاب أمرٍ لا ريب فيه - فدع الأوّل ، وافعل الثاني .
الثاني : أنّ المراد : دع ما يُريبك وأخّره إلى زمان لا يُريبك ، مثل رواية الحُكْم بالإرجاء إلى لقاء الإمام عليه السلام .
الثالث : أنّ المراد خُذْ ما لا ريب فيه واترك ما فيه الريب .
والاستدلال بها متوقّف على إرادة المعنى الأخير ، ولا مرجِّح له بين الاحتمالات ، مع أنّه لا يُناسبه الإتيان بلفظة « إلى » ، وحينئذٍ فالرواية مجملة ومشتبهة المراد ، مع إرسالها ، مضافاً إلى ظهور العلّة في الثانية في الاستحباب .
هامش
( 1 ) - كنز الفوائد 1 : 351 ، جوامع الجامع : 5 سطر 9 ، وسائل الشيعة 18 : 124 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 47 .
( 2 ) - ذكرى الشيعة : 138 سطر 16 ، وسائل الشيعة 18 : 127 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 56 .