الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة « 1 » . انتهى .
أقول : ما ذكره قدس سره لا يخلو عن الإشكال :
أمّا أوّلًا : فلأنّ الاتّقاء - في العرف واللُّغة - لا يشمل فعل المندوبات وترك المكروهات ؛ بمعنى أنّه لا دَخْل لفعل المندوبات وترك المحرّمات في تحقّق التقوى ، بل الاتّقاء يتحقّق بفعل الواجبات وترك المحرّمات ، فلو أتى المكلّف بجميع الواجبات وترك جميع المحرّمات ، واجتنب المشكوكات ؛ بالإتيان بما شُكّ في وجوبه وتركِ المشكوك حرمته ، يصدق عليه : أنّه اتّقى حقّ التقاة وإن ترك جميع المندوبات ، وارتكب جميع المكروهات ، ولا يصدق الاتّقاء مع عدم الاجتناب عن المشكوكات وإن فعل جميع المندوبات ، وترك جميع المكروهات .
وبالجملة : لا دخل لفعل المندوبات وترك المكروهات في صدق الاتّقاء حقّ التُّقاة .
وثانياً : أنّ استعمال هيئة الطلب في المندوبات وإن كان كثيراً ومن المجازات الراجحة ، لكن استعمالها في الوجوب - أيضاً - كثير لو لم يكن أكثر ، وليس ذلك مثل استعمال المطلق في إطلاقه ؛ لنُدرته جدّاً ، لتقييد أكثر المطلقات .
فالأولى أن يقال في وجه ترجيح حمل الهيئة على الاستحباب : هو أنّ الآيات الشريفة المذكورة تشمل جميع الشبهات الوجوبيّة والتحريميّة والحكميّة والموضوعيّة ، وسياقها آبٍ عن التخصيص ، بل تخصيصها - بإخراج الشبهات الوجوبيّة مطلقاً والتحريميّة الموضوعية - مستهجَن مستبشَع ، فالأمر دائر بين ارتكاب ذلك التخصيص الأكثر المستهجن بتقييدها بالشبهة التحريميّة التكليفيّة فقط ، وخروج سائر الشبهات عنها ، وبين حمل الهيئة فيها على الاستحباب ، ولا ريب في أنّ المتعيّن هو الثاني .
هامش
( 1 ) - درر الفوائد : 429 .