فنقول : إنّه لا احتياج إلى هذه المقدّمة أيضاً ، بل لا معنى لها حسب ما مرّ : من أنّ المطلق : عبارة عن ما ليس له قيد ، والإطلاق : عبارة عن اللاقيديّة ، وليس معناه الشيوع والسريان إلى الأفراد ، وحينئذٍ فلو كان المتكلّم في مقام البيان ، وجَعَل متعلَّق حكمه نفسَ الطبيعة ، مثل طبيعة الرقبة في « أعتق رقبة » ، يُحكم بالإطلاق ، ويصحّ احتجاج العبد على مولاه لدى المخاصمة واللجاج بالإطلاق ، وليس للمولى أن يجيبه بالاعتماد على القدر المتيقّن الموجود من أفراد مخصوصة كالمؤمنة من الرقبة أو صنف خاصّ أو نوع كذلك ؛ لأنّ واحداً منها لم يكن متعلَّقاً للحكم ، بل المتعلّق له نفس الطبيعة ، ولو أراد المقيَّد يلزم عليه البيان .
وإن أريد بذلك أنّ المكلّف يقطع بالامتثال وخروج العهدة عن التكليف بالإتيان بالمقيّد - أي القدر المتيقّن - وعتق الرقبة المؤمنة - مثلًا - على أيّ تقدير ؛ سواء تعلّق الحكم بالطبيعة أو الطبيعة المقيّدة واقعاً ، بخلاف ما لو أعتق فرداً غيرها ، فإنّه يحتمل عدم تعلُّق الأمر به واقعاً ، فلا يقطع بالامتثال .
ففيه : أنّ القدر المتيقَّن في مقام الإطاعة والامتثال غير القدر المتيقَّن في مقام تعلُّق الحكم والخطاب ؛ إذ لا ريب في صحّة الاحتجاج فيما لو أطلق في مقام البيان ، مع وجود القدر المتيقّن في مقام الامتثال .
وبالجملة : لا احتياج في الأخذ بالإطلاق إلى هذه المقدّمة ، ولا إلى المقدّمة الثانية ، بل يكفي كون المتكلّم في مقام البيان .
هذا بناءً على ما اخترناه من معنى الإطلاق ، وأنّه عبارة عن اللاقيديّة .
وأمّا بناءً على ما اختاره المحقِّق صاحب الكفاية قدس سره وغيره : من أنّ الإطلاق عبارة عن الشيوع والسريان « 1 » - أي سريان الحكم إلى الأفراد - فلا إشكال في الاحتياج إلى المقدّمة الأولى - أي كون المتكلِّم في مقام البيان - في التمسُّك بالإطلاق .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 287 و 288 ، مطارح الأنظار : 218 سطر 17 .