وعلى أيّ تقدير فهذا الذي ذكراه في الجواب عن الإشكال صحيحٌ لا غبار عليه .
الوجه الثاني : إنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى ؛ لأنّ المُدّعى هو عدم جواز التمسُّك بالعامّ إلّا بعد الفحص عن المخصِّص في كلّ عامّ ، والعلم الإجمالي بالمخصِّصات والمقيّدات فيما بأيدينا من كتب الأخبار وإن اقتضى ذلك قبل الفحص ، إلّا أنّه بعد انحلال العلم الإجمالي - بالفحص والعثور على المقدار المتيقَّن منها - يصير المراد :
صيرورة وجود المخصّص ضمن الأكثر شبهةً بدويّة ، والأكثر هو الباقي من الأخبار التي بأيدينا بعد الظفر بالقدر المتيقّن من المخصّصات من بينها شبهة بَدْويّة ، كما في كلّ علمٍ إجماليٍّ تردّدت أطرافه بين الأقلّ والأكثر ، فإنّه بالعثور والاطّلاع على المقدار المتيقّن الذي هو الأقلّ ، ينحلّ العلم الإجمالي ، ويصير الأكثر شبهة بدويّة فلا مانع من إجراء الأصول اللّفظية فيه ، ولا يقتضي هذا الدليل وجوب الفحص عن المخصِّص في جميع العمومات حتّى بعد انحلال العلم الإجمالي ، كما هو المدّعى « 1 » .
وأجاب عنه المحقّق العراقي قدس سره : بأنّه وإن ظُفِر بالمقدار المعلوم كمّاً ، والشكّ في الزائد يصير بدويّاً ، ولكن هذا المقدار إذا تردّد بين محتملات متباينات ، منتشرات في أبواب الفقه من أوّله إلى آخره ، يصير جميع المحتملات المشكوكة في جميع أبواب الفقه طرفاً لهذا العلم ، فيمنع من التمسُّك بالعموم قبل الفحص عن جميعها ، ولا يفيد الظفر بالمعارض في هذه الصورة بمقدار المعلوم ، فالاحتمال القائم في جميع أبواب الفقه الموجب لكونه طرفاً للعلم ، منجِّز للواقع بحسب استعداده ، فإنّه مثل العلم الحاصل بعد العلم الإجمالي لا يوجب الانحلال ، انتهى « 2 » .
أقول : لو فرض أنّ محتملات المعلوم بالإجمال من المخصِّصات متشتّة في جميع أبواب الفقه إجمالًا ، وتردّدت بين الأقلّ والأكثر ، فلو تفحّص المجتهد في جميع أبواب
هامش
( 1 ) - قرّره أيضاً في فوائد الأصول 4 : 278 .
( 2 ) - مقالات الأصول 1 : 155 سطر 3 .