مقام جعل القوانين الكلّيّة ؛ وذلك لأنّ الاحتجاج في مقام المخاصمة واللجاج يتوقّف على ظهور الكلام في العموم وجريان أصالة الجدّ ، والبناء على ذلك من العقلاء ثابت في العمومات الصادرة منهم في مُحاوراتهم العُرفيّة ، لا في مقام جعل القانون . وأمّا في مقام جعل القوانين ، فقد استقرّ بناء العقلاء وديدنهم على الفحص عن المخصِّصات للعمومات الصادرة في هذا المقام ، وليس بناؤهم على أصالة الظهور والجدّ فيها بمجرّد صدورها ، والعمومات الصادرة من الشارع من هذا القبيل « 1 » ، وهو المراد من مَعْرَضيّتها للتخصيص ، كما عرفت أنّه استقرّ بناء العقلاء على جعل القوانين الكلّيّة أوّلًا ، ثمّ بيان المخصِّصات والمُقيّدات والاستثناءات في موادّ وفصول متأخّرة عنه ، وبعد الفحص بالمقدار المعتبر تخرج عن المَعْرَضيّة للتخصيص ، وحينئذٍ يصحّ التمسُّك بها .
وانقدح ممّا ذكرنا : أنّه لا فرق بين الفحص هنا وبينه في مسألة البراءة ، وأنّ البحث في كلا المقامين إنّما هو عن مُتمِّم الحجّيّة ، فكما أنّه لا يصحّ الاحتجاج بأصالة البراءة إلّا بعد الفحص عن الدليل والبيان ، كذلك فيما نحن فيه ، فإنّ العامّ بمجرّد صدوره وظهوره ليس حجّة تامّة يصحّ الاحتجاج به ، إلّا بعد جريان أصالة الجدّ ، التي لا تجري إلّا بعد الفحص عن المخصِّص ، فلا فرق بين المقامين في أنّ الفحص إنّما هو عن مُتمّم الحجّة .
ثمّ إنّه قد يقال - والقائل شيخنا الحائري قدس سره - : إنّه لو ظُفر بالفحص بمخصِّص مجمل بحسب المفهوم ؛ مردّد بين الأقلّ والأكثر كالفاسق المردّد بين مرتكب الكبائر والصغائر أو الكبائر فقط ، فإجماله يسري إلى العامّ ويصير مُجملًا « 2 » .
لكن بعد التأمّل فيما ذكرنا تعرف : أنّ ما ذكره قدس سره غير مستقيم ؛ لما عرفت من أنّ العامّ ظاهر في عمومه قبل الفحص وبعده ، مع الظفر بالمخصّص وعدمه ، غاية الأمر
هامش
( 1 ) - انظر كفاية الأصول : 265 .
( 2 ) - انظر درر الفوائد : 223 - 224 .